الكاتب: أ. ليلى أبو شرخ

المقدّمة

في السّتّينيّات من القرن العشرين، بدأت العديد من الشّركات العملاقة في الدّول المتقدّمة، كالولايات المتّحدة الأمريكيّة و الدّول الأوروبّيّة، بنقل جزء لا يستهان به من أعمالها إلى الدّول النّامية و الفقيرة، كنوع من الاستثمار الذي يحقق أرباحا هائلة الحجم لهذه الشركات العالميّة. و قد تجلّت عمليّات النّقل هذه في المقام الأوّل بنقل المصانع التّابعة لها، ممّا أدّى في نهاية المطاف إلى تغيير هيكليّ في العالم المتقدّم، تلخّص في انتقال مجتمعات العالمين الأوّل و الثّاني من كونها مجتمعات صناعيّة إلى ما يعرف بمجتمعات ما بعد الصّناعة، كما أطلق على هذه الشّركات مصطلح: الشّركات متعدّدة الجنسيّات، و قد أدّى ذلك أيضا إلى إحداث الكثير من التغييرات في مجتمعات العالم الثّالث. و لعقود متواصلة، فإنّ الاستثمار في البلاد  الأجنبيّة أصبح شائعا في أوساط الشّركات الأمريكيّة و الأوروبّيّة، ممّا جعله ظاهرة جديرة بالملاحظة، و قد وجّهت العديد من الشّركات الأمريكيّة أعمالها إلى دول العالم الثّالث لتوفير سوق أجنبيّ تروّج فيه ما تنتجه من سلع و بضائع مختلفة، أو للحصول على ما تحتاج إليه من الموادّ الخام. و قد بدأت هذه الظّاهرة تتنامى حتّى أخذت مزيدا من الأبعاد، فقد أصبحت هذه البضائع تشحن بعد إنتاجها في إحدى الدّول النّامية  إلى السّوق الأمريكيّة أو الأوروبّية، ممّا جعلها منافسا للبضائع التي أنتجت في السّوق المحلّيّة الأوروبّيّة أو الأمريكيّة بدلا من أن تكمل ما ينقصها على نحو يدعمها. و أظهرت الدّول النّامية ترحيبا كبيرا بالمصانع التّابعة للشّركات الغربيّة الكبرى،  إذ أنّها رأت في الإنتاج الأجنبيّ فرصة لإنعاش اقتصادها و توفير المزيد من فرص العمل لمواطنيها.

1.الجدل حول مشروعيّة نقل المصانع إلى الدّول النّامية

و قد شهدت ظاهرة إقامة هذه المصانع في الّدول الفقيرة و النّامية جدلا كبيرا في الأوساط السّياسيّة و الاقتصاديّة العالميّة. فبين مؤيّد و معارض, تطرح الكثير من القضايا و التّساؤلات الّتي لا بدّ من أخذها بعين الاعتبار عند التّفكير في إنشاء هذه المصانع. ويدور الجدل عند طرح قضيّة المصانع في الخارج  حول محورين أساسيين:

1.1 المحور الأوّل: مدى إنصاف الشّركات متعدّدة الجنسيّات بحقّ العاملين في مصانعها

تحرص الشركات الضّخمة و النّاجحة في أعمالها إلى المحافظة على سمعتها عند إنشائها لأحد مصانعها في دولة أجنبيّة, حتّى لا يتمّ اتّهامها بعدم الإنصاف أو الإجحاف بحقوق العاملين في هذه المصانع, و عليه, فإنّ الشركات متعددة الجنسيّات تبذل قصارى جهدها للتأكّد من أنّ أجور عامليها تتوافق مع الأجور المحلّيّة, و أنّ سياسة العمل فيها تتوافق مع شروط العمل القانونيّة المنصوص عليها في البلد الّذي أنشئ فيه المصنع، و تؤكّد على عزوفها عن التّعاقد مع أيّ مصنع محلّي لا يلتزم بما ينصّ عليه قانون العمل في بلاده، كما تجزم على إنهائها العمل مع أي مصنع لا يتناغم في عمله مع سياسة هذه الشّركة و رؤيتها الخاّصّة فيما يخصّ حقوق العاملين و أجورهم.  

و بينما يصرّ مؤيّدو تصدير الأعمال إلى الخارج على أنّ العاملين في المصانع يحصلون على الحدّ الأدنى من الأجور المحليّة على أقلّ تقدير ، فقد اثار المعارضون لوجودها زوبعة من الانتقادات حول سياستها الدّاخليّة، خاصّة فيما يتعلّق بأجور العمل. ففي وجهة نظرهم, فإنّ التزام الشّركات الأجنبيّة بالحدّ الأدنى من الأجور أو ما يزيد عنه قليلا ما هو إلّا عمل مجرّد من الإنسانيّة في جوهره، حتّى لو كان نظيفا لا غبار عليه في ظاهره، فعلى سبيل المثال, يتمّ إجبار العاملين في المصانع على العمل لساعات طويلة يوميّا، في ظلّ ظروف سيّئة أو حتّى خطيرة، بدون الحصول على أجور إضافيّة. وغالبا ما يحصل العامل على مبلغ قليل جدّا من المال، لا يتجاوز بضعا من السّنتات, عند إنتاجه لسلعة ما, قد يصل ثمنها إلى مئات الدّولارات في الأسواق العالميّة. و في المحصّلة، فإنّ الشّركة الأم تحصل على أرباح كبيرة جدّا، دون أن تنفق الكثير على عمليّة الإنتاج، أو على أجور العمل، و في ذلك استغلال جائر و واضح للقوى العاملة الفقيرة.

و أكثر ما أثار امتعاض المعارضين لهذه المصانع هو أنّها تضمّ أعدادا كبيرة من الأطفال داخل مبانيها, و الّذين يعملون تحت الظروف القاسية ذاتها و مقابل نفس الأجور الضّئيلة الّتي يحصل عليها البالغون، الأمر الذي أثار لغطا كبيرا في الأوساط الإعلاميّة.

و في ردّ على هذا الهجوم، فإنّ المدافعين عن وجود هذه المصانع يرون بأنّ معظم العاملين من الأطفال لا يمتلكون المال الكافي للالتحاق بالمدارس على أيّ حال، و أنّه بدلاً من أن ينجرف الأطفال في تيّار أكثر سوءاً, يتمثّل في أعمال قاسية أو خطيرة، قد تكون في الشّوارع العامّة أو الحقول الزراعيّة، فإنّ هذه المصانع توفّر لهم بديلا أكثر امنا و استقراراً.

إلّا أنّ المعارضين يصرّون على أنّ عمالة الأطفال هو أمر مرفوض من أساسه، و أنّ الخيار الأفضل لهم هو الالتحاق بالمدارس للحصول على فرصة التّعليم المنتظم, بدلا من العمل في هذه المصانع.

و لتقديم مزيد من المبرّرات لإنشاء المصانع في الدّول النّامية، فإنّ كلّا من القائمين عليها و مؤيّديها يؤكّدون على أنّ الاثار الإيجابيّة لتأسيسها سوف ينعكس على الاقتصاد المحلّي للبلد النّامي على المدى البعيد. و يوضّح عالم الاقتصاد بول كروجمان (Paul Crugman) أنّ النّموّ في الإنتاج له تأثير كبير على الاقتصاد المحلّي في البلاد ذات الامكانيّات الاقتصاديّة المحدودة، و ذلك لأنّه يقلّل من أعداد النّاس العاملين في قطاع الزّراعة، ممّا يزيد من تنافس مالكي الأراضي على القوى العاملة، و هذا يؤدّي في نهاية المطاف إلى زيادة في الأجور.  و نتيجة لارتفاع مستوى معيشة الأفراد، فإنّ مزيدا من التطوّرات الإيجابيّة قد تكون وليدة لهذا المخاض الطّويل و العسير، كأن يصبح الآباء قادرين على إرسال الأطفال إلى المدارس على سبيل المثال لا الحصر.

إلّا أنّ السّؤال الذي لا بدّ و أن يطرح نفسه في هذا السّياق هو: “لماذا لا تقوم الشّركات متعدّدة الجنسيّات بتحسين المستوى المعيشي و المجتمعي لعامليها. فمثلا، لم لا تقوم هذه الشّركات ببناء مدارس للأطفال في إطار المجتمع المحلّي للمصنع الّذي قامت بتأسيسه؟” إنّ الإجابة على سؤال كهذا يلخّص ما يجب أن تقوم به الشّركات من واجبات اتجاه عمّال المصانع مقابل استثماراتها هائلة الحجم  في الدّول النّامية، و الّتي تعود عليها بأرباح طائلة سنويّا.

2.1 المحور الثّاني:  أثر نقل المصانع التّابعة للشّركات العملاقة على اقتصاد الدول المتقدّمة

و في حين أنّ إنشاء المصانع في الدّول النّامية قد يساعد على إنعاش اقتصادها، إلّا أنّه لا بدّ و أن يكون له آثار سلبيّة على اقتصاد الدّول المتقدّمة الّتي تخسر ركناً بالغ الأهمّيّة من أركان الاقتصاد فيها، و من اللافت أنّ هناك العديد من الأطراف الّتي تنتقد سياسة الاستثمار الخارجيّ, فقد احتجّت بعض النّقابات العماليّة على أنّ ما يحدث من نقل للمصانع إلى خارج حدود الدّولة الأم إنّما يطمس الهويّة الصّناعيّة لهذا البلد المتقدّم و يقلل من توافّر فرص العمل إلى حدّ لا يستهان به. و قد صرّح بعض المراقبين لمجريات الأمور أنّ نقل المصانع يعمل على تحطيم الأساس الصّناعيّ لهذا البلد و إحداث تجويف عميق في بنيانه، ممّا يهدّد مستوى المعيشة بشكل عام.

و في دفاعهم عن هذه السّياسة الّتي ينتهجونها، فإنّ أصحاب المصانع يدّعون بأنّ الإنتاج خارج البلاد هو المنهج الأمثل للتنافس مع الواردات الأجنبيّة ذات الجودة العالية و التّكلفة المعقولة، و يدّعي هؤلاء المستثمرون أنّ  اتّجاههم للاستثمار في بلاد مختلفة مثل المكسيك، و تايوان, و ماليزيا و التي تتوافّر فيها العمالة الرّخيصة، و نقل البضائع منها ثانية إلى الولايات المتّحدة, سوف يساعد الولايات المتّحدة على استعادة مكانتها السّياديّة في العالم، و من الجدير من بالذّكر أنّ الكثيرين من خبراء الاقتصاد يوافقون على هذه النّظريّة، فهم يعدّون الانتقال إلى المناطق التي تتطلّب  أجورا أقل للعمال تعديلا قد نجم عن بعض التغييرات التي طرأت على موازين القوى العالميّة.

 خلاصة

لا بدّ أنّ الاستثمار الخارجيّ قد أثار جدلا واسع النّطاق من حيث مشروعيّته و  آثاره على كلّ من المجتمعات المتقدّمة و النّامية، إلّا أنّ الجدل الذي حلّ محلّه مؤخّرا هو إمكانية تراجع الشّركات الكبرى عن سياستها  الّتي اتبعتها لعقود متتالية، و محاولتها الامتثال للرّئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تمّ انتخابه في شهر تشرين الثاني من عام 2017، فقد أعلن ترامب بوضوح و صراحة عن سياسته الّتي سوف ينتهجها أثناء فترة حكمه، و الّتي ستقيّد الاستثمار خارج أراضي الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

المصادر