شَكَّلَ السجن عبر تاريخ البشرية أحد الهواجس التي شغلت الإنسان عبر التاريخ، حيث تكاد لا تخلو ثقافة شعب من الشعوب من هذه الظاهرة، التي تشكَّلت واقعياً قبل أن تتشكَّل على مستوى الوعي الإنساني، فتبلورت في قوالب فكرية وأدبية مـخـتـلفـة ومـتـنـوعـة، احتوت التجربة الفردية والجماعية، وعَبَّرت عنها بصيغ متعددة حسب الزمان والمكان والظروف المحيطة، فباتت باستنادها على المادة التاريخية والواقعية، واقعاً فنياً عبر مسافة التخييل.
نتج عن هذا الارتباط الجدلي بين التجربة الإنسانية والممارسة الفكرية تيار أدبي يعرف بـ «أدب السجن» أخد سماته العامة من التجربة الواقعية، والأشكال الأدبية والثقافية عامة، الأمر الذي انعكس على سمات هذه الكتابة، خاصة السردية منها، التي باتت تقلق الخطاب النقدي والتجنيسي في العالم العربي

التعريف

عُرّفَ على أنه نوع من الأدب الذي استطاع أن يكتبه أولئك الذين عانوا السجن و التعذيب، خلال فترة سجنهم و تعذيبهم أو بعدها، أو كتبه الذين رصدوا تجارب سجناء عرفوهم أو سمعوا عنهم. وعرفه آخرون على أنه الذي يكتبه الأسرى في المعتقلات. وقيل إنه ما يكتب في الأسر و يهتم بقضايا السجن.

ويرى البعض أنه كل ما له علاقة بالوجدان والعاطفة الإنسانية والتعبير عن ذلك فنياً، وهذا يشمل القصة والرواية والشعر والخاطرة والأغنية والعمل المسرحي ، ويتكون من شقين ، شق يتعلق بالسجناء أنفسهم، وما كتبوه هم من داخل غرف السجن، وما وثقوه أثناء وجودهم في السجن وحتى بعد خروجهم منه، فالتجربة قائمة، وتنعكس في التعبير لسنوات طويلة الأمد، وشق يتعلق بما عبر عنه الأدباء خارج السجن، ولاسيما أولئك الذين تخيلوا حياة السجن، واستمعوا لها، وعاشوا بوجدانهم تجربة السجناء، وراحوا يعبرون عنها بصياغتهم الخاصة، وأسلوبهم القادر على تصور حياة السجن، والتعبير عنها بشكل فني.

ويُعرّفُ بأنه الأدب الانساني النضالي الذي ولد في عتمة وظلام الأقبية والزنازين وخلف القضبان الحديدية ، وخرج من رحم الوجع اليومي والمعاناة النفسية والقهر الذاتي ، والمعبّر عن مرارة التعذيب وآلام التنكيل وهموم الأسير وتوقه لنور الحرية وخيوط الشمس .

سبب ظهور أدب السجون
لماذا ظهر أدب السجون؟

تجربة السجن وسلب الحرية من أقسى التجارب التي قد يمر بها بشر، ولعل من الصعب التصديق بأن هناك من يرغب في تذكر مثل تلك التجربة، فكيف يمكن للبعض أن يرغبوا في تخليدها، برصد تفاصيلها من خلال أعمال أدبية كاملة، تتنوع ما بين الشعر والقصة القصيرة والرواية والمقال!.. فما الأسباب التي دفعت الأدباء لذلك؟ وشكلت لوناً من ألوان الأدب وهو أدب السجون

1-العامل النفسي:

الأعمال الأدبية على نحو الخصوص والأعمال الفنية بصفة عامة، تأتي نتاج تجارب وخبرات والمشاعر المسيطرة على المبدع، فهو يخرج تلك الطاقات الهائلة المختزنة بداخله يسطرها على الأوراق، و كان ذلك أول أسباب ظهور ذلك النوع من الأدب، والذي يعرف أو يصنف تحت مسمى أدب السجون، لكن في كل الأحوال كان العامل النفسي، هو السبب المباشر في إنتاج هذا النوع من الآداب، أي أدب السجون سواء قصة أو رواية أو شعراً.

2-التجربة:

الحالة النفسية هي أساس الإنتاج الأدبي بأنواعه المختلفة، وبصفة خاصة الأعمال الأدبية المصنفة ضمن أدب السجون، ولكن إن كان العامل النفسي هو المسبب الرئيسي لهذا الإنتاج، لكنه ليس دائماً السبب الوحيد، ففي بعض الحالات نظم الشعراء قصائدهم ودَوّن الكتاب نثرهم، تأثراً بالتجربة التي مروا بها ليس إلا، ورغبة منهم في تسجيلها والتعبير عنها وإيصالها إلى قطاعات عريضة، فتجربة السجن بالتأكيد لا يمكن أن تمر مرور الكرام، وما يلاقيه المبدع خلالها وما يتعرف عليه ويشاهده، يمثل مادة ثرية جداً بالنسبة له، كما يصبح جزءاً من تجاربه وخبراته ووجدانه، الأمر الذي يدفعه لاستغلال ذلك كله في إنتاجه الأدبي، لتنضم أعماله بذلك إلى قائمة أعمال أدب السجون.

3-التأريخ:

بعض أعمال أدب السجون ظهرت بغرض التأريخ لحقبة أو حدث، فإن تجربة الاعتقال التي يتعرض لها الشاعر أو الكاتب، عادة ما تكون ناتجة عن حدوث اضطرابات سياسية بدولته، وخلال فترة سجنه أو بعد الإفراج عنه، ينظم شعراً أو يكتب أدباً ليس للتعبير عن تجربة السجن في ذاتها، بل أنه يتخذ من هذه التجربة فقط أرضاً لبناء عمله الأدبي المنتمي لأدب السجون، أي أن الأمر بالنسبة له يكون أقرب للشهادة، التي يسجلها المبدع للتاريخ وللأجيال التالية.

4-المعارضة والرفض:

إن كان السَجّان سلاحه السوط والأقفال، فالمبدع يرى أن سلاحه قلمه والورق، ومن ثم يمكن اعتبار المقاومة سبباً من أسباب ظهور أدب السجون، حيث يتخذ الكاتب من شعره أو مقاله منبراً مضاداً للمنبر السياسي، يخطب من عليه بالجماهير ويظهر لهم الحقيقة كما يراها وكما شهدها، ومن خلال هذا النمط من أنماط أدب السجون، يعلن الكاتب -عادة- سخطه على الأوضاع السياسية السائدة في وطنه، ويُظهر عمداً أو عن غير عمد انتماءاته الفكرية والسياسية بوضوح، وغالباً ما يكون ذلك من خلال المقال الصحفي أو قصائد الشعر،   ونادراً ما كتبت روايات كاملة فقط للتعبير عن الغضب وإعلان الرفض.

بداية أدب السجون


لقد أمدنا التاريخ العربي بذاكرةٍ خصبة أثراها عشرات بل مئات الشعراء الذين أُسِروا، وكتبوا قصائدهم في غياهب السجون، كأبى فراس الحمداني، والمتنبي، وناظم الغزالي، وعبد الرحمن منيف ورواياته المشهورة عن السجون “شرق المتوسط”  و”الآن هنا”، ويحيى الشيخ صالح فى أدب السجون، والمنافي في فترة الاحتلال الفرنسي، وشعر السجون لسالم معروف المعوش، ورواية خطوات في الليل لمحمد الحسناوي وآخرين .
كما يجدر التنويه إلى أن أدب السجون ليس حكراً على الفلسطينيين والعرب فقط، بل هناك آخرون كتبوا داخل الاعتقال كالشاعر التركى ناظم حكمت، وشاعر تشيلي العظيم بابلو نيرودا، والروائي الروسي ديستويفسكي فى روايته “منزل الأموات وآخرون كثر ممن كانوا تحت الاحتلال واعتقلوا
تاريخ أدب السجون الفلسطيني:
أدب السجون فرض نفسه كظاهرة أدبية في الأدب الفلسطيني الحديث، وبرز قبل احتلال الخامس من حزيران/ يونيو 1967م ، فالشعراء الفلسطينيون الكبار محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، أَثْروا الساحة الأدبية بهذا الأدب المقاوم، ولعل أبرز سماته تتمثل في التَّمَسُّك بالأرض، والتغني بالحرية، وحب الوطن، والالتزام والصدق المقاوم، الذي تجلى في نصوصهم، فأُطلق عليهم: رواد شعراء المقاومة الفلسطينية، الذي اتسم بالبعد العربي والبعد العالمي كقصيدة: “الثوار ينشدون”، لراشد حسين، و”أنا عبد” لفوزى الأسمر، موجهة لشعب إفريقيا، ولسميح القاسم عدة قصائد عن باتريس لومومبا، وإفريقيا، وزنوج أمريكا، ومقطع اسمه بطاقات إلى ميادين المعركة، وهي سلسلة من القصائد القصيرة موجهة إلى المغني الزنجي بول روبنسون، وفيدل كاسترو، وكريستوف غبانيا، وثوار الفيتكونغ، ولعل أبزها قصيدة محمود درويش”عن الأمنيات.

رواد أدب السجون

تاليا أبرز الأسماء التي خاضت ضِمار السجون فكتبت عنها بلغة الأدب ناقلةً لجماهير القرّاء واقعاً أليماً عاشوه جميعاً فحفظت ذاكرة الأدب العربي والعالمي لهم كتاباتهم وصنّفتها روّاداً لأدب السجون.
-أبو فراس الحمداني – المتنبي  – عبد الرحمن منيف – يحيى الشيخ صالح  – سالم معروف المعوش
– محمد الحسناوي – الشاعر التركى ناظم حكمت – شاعر تشيلي العظيم بابلو نيرودا
– الروائي الروسي ديستويفسكي – محمود درويش- سميح القاسم- توفيق زياد
– فوزى الأسمر- باتريس لومومبا- فيدل كاسترو- كريستوف غبانيا- شعبان حسونة
– فايز أبو شمالة – أيمن العتوم – وليد الهودلي

أجناس أدب السجون
الرواية، والقصة، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، والشعر العمودي، وشعر التفعيلة، والشعر المنثور، واختلف المختصون بشمل الخاطرة، والرسالة، والمقال فى هذا الإطار، والأغنية والعمل المسرحي ومذكرات ما بعد التحرر، ولا يشمل أدب السجون إنتاجات الأسرى من الدراسات والأبحاث والكتب فى مجالات من غير الإنتاج الأدبي

مضامين أدب السجون (عن مَن وما كُتب في أدب السجون)
هذه أبرز المؤلفات ومؤلفيها

يا صاحبيّ السجن:

للروائي الأردني أيمن المعتوم، صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2012، والتي يروي فيها الفترة التي قضاها في سجون الأردن في مطلع التسعينات، كما يناقش الأحداث والقضايا السياسية للأردن آنذاك.

القوقعة:

الرواية صدرت عن دار الآداب، لمصطفى خليفة؛ الذي جسد قصة سجنه وتعذيبه طوال 13 عام في السجون السورية.

شرف:

للمؤلف صنع الله إبراهيم، صدرت عن دار الهلال 1997، إحتلت المركز الثالث في قائمة أفضل مئة رواية عربية.

شرق المتوسط:

صدرت عام 2001 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، للروائي عبدالرحمن منيف، الذي تتسم رواياته بمناقشة الواقع الاجتماعي والسياسي العربي، بكل جرأة وقوة.

تزممارت: الزنزانة رقم 10:

صدرت هذه الرواية عن دار طارق للنشر، عام 2009، من تأليف أحمد المرزوقي الذي يروي معاناة 18 عام داخل سجن “تزممارت” لتورطه في محاولة انقلاب 1971 ضد ملك المغرب الحسن الثاني.

كتاب أدب السجون لنزيه أبو نضال

كتاب أدب السجون لشعبان يوسف

قصيدة أبي فراس الحمداني التي قالها أثناء أسره لدى الرومان والتي يقول في مطلعها

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ، أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ ، ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !

تبعاً لكل ما سبق ذكره بخصوص كتابة «أدب السجون» سواء منها العربية أو الأجنبية، يمكن القول إن هذه الكتابة صارت تشكِّل دائرة أيديولوجية في البناء الثقافي العالمي، خاصة أنها تنطلق من فرضية «موحَّدة» وهي أن الإبداع هو فضاء الحرية المتبقي، وأن جُلّ مَنْ كتبوا هذه النصوص كانوا يهدفون في العمق إلى تصوير فضاء السجن وعذاباته النفسية والجسدية، في أفق تجاوز واقعه غداً، ولعل ما يميز بين هذه التجارب المكتوبة ويوحِّد بينها أيضاً هو كونها تعتمد جميعاً على اللغة كأداة للتعبير والتصوير والتوثيق لهذه التجربة الإنسانية التي لن تفلح كل كتابات من عاشوها في تحقيقها واقعاً على مستوى اللغة مادامت تجربة السجن تعاش قبل أن تُكتَب أو تُروى.

المراجع

(أدب السجن من التأسيس إلى إشكالية التجنيس، نقوس المهدي، 2014م).
http://www.matarmatar.net/threads/7505/
(حيونة الإنسان- ممدوح عدوان- دار ممدوح عدوان للنشر-الطبعة الثانية ص16)
(مركز الأسرى للدراسات – عبد الخالق العف, ابراهيم الزنط, شعبان حسونة)
(قراءة عاجلة في أدب السجون، مقال على الإنترنت)
: http://essalamonline.com/ara/permalink/61679.html#ixzz52OkJ4LJ6
(محمود حسين، 2015م).
https://www.limaza.com/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%B8%D9%87%D8%B1-%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AC%D9%88%D9%86/
(أدب السجون: التعريف والمميزات، رأفت حمودة، 2016م).
https://pulpit.alwatanvoice.com/articles/2016/01/24/391920.html
. (أدب السجون: كتابات تبحث عن الحرية، إسلام مصطفى، 2017م).