الكاتب: نجلاء نجار


طبيعة النفس البشرية مع ما تطلبته حياة الأفراد فرضت نزاعات مختلفة من جوانب عدة، من كونهم جماعات صغيرة إلى مراحل تأسيسهم الدول والامارات، وكأساس للحياة ولأجل الحفاظ على منظومة اتفق عليها بينهم، كان لا بد من صنع قواعد وصياغة أفكار تساهم في ضبط وحل المشكلات، ومع ظهور المجتمعات المنظمة وشبه المنظمة ثم قيام الدول ظهر النظام القضائي كضرورة قصوى لاتساع الأقاليم واحتوائها لمختلف طباع الأفراد وأصولهم، وكذلك التطور الذي عمل على زيادة أسباب التنافس مما أتاح المجال للأهواء وللظلم والتعدي، ففي النظام القضائي وغيره ترسم حدود لتصرفات المواطن داخل دولته كفرد فعال فيها، تحفظ فيه الحقوق وتدفع المظالم، على أساس العدل الذي يضمن الملك ويمنع الزوال والانهيار ويحقق السلام والأمن، وهو هدف الذي حملته الديانات السماوية دائماً عبر القرون.

والحاجة الماسة إلى مثل هذه القوانين تمثلت بداية عن طريق التحكيم الذي يلجأ فيه لطرف ثالث يحل النزاع وتميز باليسر وفضِّل على غيره من الطرق كما سنلحظ في هذه الدراسة.

ومن هنا وجد التحكيم حيث كان الأسبق للظهور من بين كافة الطرق الأخرى، فهو وسيلة لفض النزاع سنتها ظروف الحياة والحاجة إلى وجود العدل.

حيث بدأ الأفراد مهمة الفصل في المنازعات عم طريق اختيار طرف ثالث لحل النزاع وأصبح التحكيم من مظاهر العصر، لأهميته الكبيرة  في حل النزاعات التجارية، وبدأ الناس يفضلونه على القضاء لسرعته ويسره. (1)

خطة البحث:

يتضمن هذا البحث التحكيم في الاسلام وكيفية الاحتكام ومن له ان يكون محكما وما هي موضوعاته ومدى الزامية حكمه ، مع مقارنته بالتحكيم في القوانين الوضعية ومدى التشابه والاختلاف فيما بينها ، وعليه فإن هذا البحث يقسم للتالي :

القسم الاول:

التعريف بالتحكيم الاسلامي ، وتاريخ التحكيم وأول مرة ظهر فيها وكيف كان يعمل به في الاسلام وزمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين ويتحدث كذلك عن التحكيم قبل الإسلام  لدى المسيحية واليهودية بوصفهم من أهل الكتاب.

القسم الثاني:

يتناول حكم التحكيم ومشروعيته في الفقه الاسلامي ، والفرق بين التحكيم وغيره من وسائل فض النزاعات من صلح وقضاء وما يشابهه من وكالة وخبرة وإفتاء .

القسم الثالث :

يبين هذا القسم الشروط الواجب توافرها بالتحكيم بما يخص موضوعه وسببه، وأطراف التحكيم سواء أكانوا الخصوم او المحكمين وما يتعلق بأهليتهم ورضاهم.

القسم الرابع:

اثبات شرط التحكيم وكيفية انتهاء الخصومة في التحكيم ، وفكرة الطعن في حكم المحكم كما تحدثت عنها الشريعة الاسلامية .

تعريف التحكيم في الإسلام:

قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) النساء 65

وقوله عز وجل  (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) النساء 60

فالتحكيم إصطلاحا عند فقهاء المسلمين هو تولية الخصمين حكماً يحكم بينهما. (2)

وقد عُرف التحكيم عند المذاهب الأربعة ، فعرفته الحنفية بأنه :تولية الخصمين حكماً يحكم بينهما، أما المالكية فعرفته بأنه : ” أن الخصمين اذا حكما رجلاً بينهما وارتضياه بأن يحكم بينهم جائز”، والحنابلة تبنت هذا التعريف كذلك.

والشافعي عرفه بأنه: أن يتخذ الخصمان رجلاً من الرعية ليقضي بينهما فيما تنازعا.

أما الشريعة الإسلامية فقد عرفت التحكيم بأنه عقد تولية وتقليد من طرفي الخصومة إلى طرف ثالث ليفصل فيما تنازعا فيه. (3))

وفي مجلة الأحكام العدلية في المادة 1790 نصت على أن: التحكيم عبارة عن اتخاذ الخصمين حاكماً برضاهما لفصل خصوماتهما ودعواهما.

والتحكيم في الإسلام ذكر بنوعيه الاختياري والإجباري، مع أن فقهاء الإسلام لم يتحدثوا عنه ولكن يستدل عليه من قوله تعالى “وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها”.

وابعثوا: هو فعل أمر يفيد الوجوب حيث جاء في تفسيره بأنه : (وجوب الخطاب فيها  للحكام، وقيل الأولياء والبعث واجب).(4)

تعريف التحكيم قانونا:

تعريف التحكيم عند فقهاء القانون الوضعي لم يختلف عن تعريف فقهاء المسلمين فهو عندهم إحالة ما قد يكون قائماً من نزاع أو ينشأ بين الأفراد من النزاع مستقبلاً على فرد أو أفراد للفصل دون عرضه على المحكمة المختصة.

تاريخ التحكيم الإسلامي

أول ظهور للتحكيم في الحياة كان في عصر آدم عليه السلام، حيث ظهر في احتكام ابني ادم لقوله تعالى “واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق اذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر”.

فعندما اختلفا في أمر بينهما حكم آدم عليه السلام بينهما بأن يقدما قربانا، حيث كان حكماً بينهما وكان حكم التحكيم هو تقديم القربان.(5) وبعدها ظهر التحكيم في نزاعات العرب قبل الإسلام، حيث كان شيخ القبيلة محكما على أفراد قبيلة لربما خوفاً منه أو لمكانته أو سطوته أو بطشه، وكان يتولى منصب الحكم قديماً أنبل أفرادها وأشرفهم نسباً، ومن اتصف منهم بالنجدة والسخاء والصبر والحلم والتواضع. فقد كان التحكيم معروفا عند العرب فقال اليعقوبي فيه : كان للعرب حكام ترجع إليها في أمورها ومواريثها ومياهها ودمائها فكانوا يُحكمون أهل الشرف والصدق والأمانة والرئاسة والسن والمجد والتجربة.

وفي الحديث عن تاريخ التحكيم في الاسلام وقبله كان لا بد ومن الاشارة الى التحكيم الذي عرفه كل من النصرانية واليهودية لانهم من اهل الكتاب فالنسبة إلى التحكيم فلم يختص بالشريعة الإسلامية وحسب وإنما ظهر في الديانات الأخرى كالمسيحية واليهودية، وقد اتبع اهل هذه الديانات الطرق والإجراءات التي نص عليها كل من التوراة بالنسبة لليهود والإنجيل للمسيحية.

التحكيم في الدين المسيحي

ذكر في  كورنثوس الأولي (6) والذي وُصيّ فيه المؤمنون بعدم حل خلافاتهم في المحاكم وعدم اللجوء إلىها لأن في ذلك  هزيمة روحية للمسيحي لعدم قدرته على مغفرة خطأ أخيه والتصالح معه، فلم سيرغب أي شخص في اعتناق  المسيحية  أن كان أهلها  مختلفون فيما بينهم؟ ولكن هناك بعض الظروف التي تتطلب التدخل القضائي لحلها وذلك بعد أتباع نظام الصلح المسيحي المذكور في (متى 15:18-17). واللجوء للتحكيم كالقضاء لا يكون إلا للحاجة ولا بد من اللجوء اليه بعد الصلاة المكثفة وطلب الحكمة (يعقوب 5:1) وكذلك طلب المشورة من قائد روحي. ويؤكد أن الخلافات الكنسية يجب أن يتم حلها داخلياً وبدون اللجوء الي القضاء أو التحكيم  وكان عيسى قد أمر بتحكيم الناموس في رسائل كثيرة.
ومنها نفهم أن اليسوع كان يحكم بين الناس فيما ثار بينهم من نزاعات فكانوا يحكمونه ويلجؤون اليهم فقد كان مؤدبهم بعد ما جاء به من دين وإيمان
والتحكيم في المسيحية مثله مثل أي تحكيم له موضوعات محددة فقد سمح أن يكون في أمور وحرمها في أخرى عندما رفض صراحة تحكيم ما يتعلق بشؤون الكنيسة بالإضافة إلى ما يتعلق بالأحوال الشخصية، أما بما يتعلق  بباقي النزاعات فإذا كان هنالك أي طريقة لتفادي المحاكم، فيجب على المسيحي اللجوء لها. ومنها الصلح والتحكيم ولكن في بعض الأحيان و لحماية الإنسان لحقوقه كما فعل الرسول بولس يمكن للشخص اللجوء للنظام القضائي لفض النزاع.

التحكيم عند اليهود

والقارئ في روايات وكتب  اليهود يجدهم قد كانوا يحكمون النبي صلى الله عليه وسلم سواء قبل النبوة او بعدها، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة واستند في ذلك إلى قول ابن صوريا، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها، ولم يحكم بينهم بما جاء في الإسلام فقد كان يحكم بالتوراة الصحيح .
وقال بعض العلماء: إنما كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود بالرجم إقامة لحكم كتابهم، بعدما حرفوه وأخفوه وتركوا العمل به،  لقوله صلى الله عليه وسلم : (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه)، و كان ذلك حين قدم المدينة، وذكر أنه :”وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ إنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ، فَإِنَّهُ سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا ، وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ عِنْدَمَا قَدِمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَدِينَةَ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ حَدِّ الزِّنَا.(7)
وقال المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك شرط الاحصان الإسلام وأجابوا عن حديث الباب بأنه صلى الله عليه و سلم انما رجمهما بحكم التوراة وليس هو من حكم الإسلام في شيء وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم فان في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن قالوا وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه و سلم المدينة وكان مأمورا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه فرجم اليهوديين على ذلك الحكم.(8)
وذكر ابن حزم  سبب سؤال النبى صلى الله عليه وسلم لهم عن حكم التوراة ، فقال : ( وإنما دعا صلى الله عليه و سلم بالتوراة حسما لشغب اليهود وتبكيتا لهم في تركهم العمل بما أمروا به وإعلاما لهم بأنهم خالفوا كتابهم الذي يقرون أنه أنزل عليهم).

فهذا كان من ابرز ما جاء في التحكيم عند أهل الكتاب ولعل الدارس فيه يجد الكثير من القصص والروايات.

التحكيم بعد الإسلام:

ذكر التحكيم في مواضع كثيرة في القرآن كقوله تعالى “وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ” سورة المائدة 49

أي أن مصدر التحكيم في الإسلام هو شرع الله وسنة نبيه.

وقوله تعالى “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمك فيما شجر بينهم ثم لن يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما” النساء 65

وقوله تعالى ” وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين” سورة المائدة 43

وأشهر الآيات في التحكيم هو ما ورد في سورة النساء في الآية 35 وفي قوله تعالى ” وإن خفتم شقاقا بينهما فابغثوا حكما من أهله وحكما من أهلها”.

والتحكيم بين الزوجين يكون كالتالي:

.1. اجراءات التحكيم بين الزوجين

.2. مهمة المحكم

الشقاق الذي يتوجب التحكيم هو الخلاف بين الزوجين ، والتحكيم وسيلة لبعث المودة والتراحم بين الزوجين بسبب ما نشأ من نزاع بينهما.

واختلف الفقهاء فيمن له سلطة تعيين الحكمين ، وأساس هذا الاختلاف قوله تعالى” وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا”

فيرى الفقهاء أن المأمور ببعث الحكمين هو الحاكم أو من ينوب عنه ، لأن الحاكم هو المناط به تنفيذ الأحكام الشريعة.(9)

أما من وجهة نظر أخرى ، فقال الفقهاء في تفسير الآية أن الخطاب عام لجميع المسلمين فهو نص عام لم يخصص وبقي على عمومه ، ومحله على بعض أفراده ليس أولى من محله على البقية، حيث يستطيع الأهل تعين الحكمان.

والشروط الواجب توافرها في الحكمان هي أن يكون من الأهل كشرط أولي ، فالمستحب أن يكون الحكمان من الأهل ، وجاز أن يكون من غيرهم ولو مع وجودهم.

ويرى الشافعي أن من المستحب بعث حكمان عادلان من أهلهما ، لأن أقاربهما أعلم وأعرف بحالهما من الأجانب وأشد طلباً للإصلاح.

وفي تفسير الآية يرى البعض جواز تعدد الحكام ، فالحكم لا يقتصر على شخص واحد وانما يستطيع كل طرف ارسال واحد أو أكثر ، وذلك كي يستطيعوا حل الخلاف.(10)

وكذلك يستطيع أن يتفق الزوجان على شخص واحدٍ يرتضيان حكمه ، ولا فرق إن كان من أهله أو أهلها والأفضل أن يكون من غيرهم.

وفي حالة تغيب حضور أحد الزوجين أو تغير في أهليته فهذا لا يمنع الحكام من النظر في الخلاف وذلك باعتبار الحكام وكلاء عنهم.

واذا جُن أحدهما أو أصابه عارض من عوارض الأهلية ، توقف عمل المحكمين لأن الوكالة تنتهي بالجنون والإغماء وذلك لانقطاع الشقاق والخلاف ، ومن باب آخر رأت مجموعة من الفقهاء جواز استمرار المحكمين في عملهم.

مهمة المحكمين هي الإصلاح بين الزوجين ، ذلك لأنه في الصلح والتحكيم  وجودٌ للترابط والوئام بين طرفي الأسرة ، وقطعاً للخصومات وإصلاح ذات البين.

أما في حالة عدم توفقهما في الإصلاح لهما التفريق بينهما بعوض أو بغيره، حسب ما يريده كل طرف منهما.

تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم:

كان العرب يتحاكمون عند الرسول صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الاسلام فقد احتكموا عنده في وضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة ، فانتهى النزاع بحكمه.

وقد كان تحكيمه هذا قبل البعثة ، حيث يقسم التحكيم في زمنه عليه الصلاة والسلام الى تحكيمه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها..

ويعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم أول قاضي في الاسلام وأول محكم كذلك ، ومن الأمثلة كذلك على تحكيمه عليه الصلاة والسلام ما ورد عن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء رجلان يختصمان في المواريث وليس بينهما بينة ، فحكم الرسول بينهما لينهي ما ظهر بينهما من نزاع وخصومة.(11)

تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ في بني قريظة:

روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أنه قال 🙁 نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ ، فأرسل الرسول الى سعد فأتاه على حمار فلما دنا قريبا من المسجد قال للأنصار قوموا الى سيدكم أو خيركم ثم قال هؤلاء نزلوا على حكمك قال تقتل مقاتليهم وتسبي ذريتهم قال صلى الله عليه وسلم :”قضيت بحكم الله”.(12)

والمقصود من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل تحكيم سعد في بني قريظة حيث كان الحديث نصا صريحا على جواز التحكيم والا لما رضي بحكم سعد ، وقبول الرسول صلى الله عليه وسلم أشبه بالإجماع على قرار تحكيم.

التحكيم في عصر الخلفاء الراشدين:

حيث كان منهاج التحكيم يطابق بشكل كبير عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ، والفرق بينهما هو وجود النبي الذي كانت له السلطة الأخيرة للفصل في الأمور فقد انتقلت هذه السلطة الى الخلفاء من بعده.

وربما من أهم القصص والأحداث التي تضمنت التحكيم هو ما جرى بين سيدنا علي بن ابي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما على الخلافة .

حيث اختلف علي ومعاوية على الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وجرى بينهما مراسلات لم تثمر عن حل ، وكانت هذه الأسباب ناتجة عن رفض معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إقالته من ولاية الشام والاشتباه فيه بأنه جزء من قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه رغم براءته من ذلك، وسار أهل الكوفة الى صفين الى نهر الفرات

بجيش وتقابلا بموقعة صفين 37 هجري، وهنا تشاور معاوية مع عمرو بن العاص رضي الله عنهما في رفع المصاحف على الرماح ليوقفوا القتال، فلما رأى الناس المصاحف رُفعت قالوا: نُجيب إلى كتاب الله ونُنيب اليه.(13)

واتفقا على التحكيم بعد ذلك فاختار أهل الشام عمرو بن العاص واختار الأشعث وأهل العراق أبو موسى الأشعري واجتمع الحكمان على أن يكون حكم التحكيم هو جعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من أرادوا ومن أحبوا.

ومن عيوب هذا التحكيم هو أن عدد المحكمين كان زوجياً وليس وترا لتجنب المشاكل التي يثيرها عدد المحكمين وهو ما يوافق التحكيم في الإسلام ولكن يخالف مقابله الوضعي، وكان سياسياً تدخلت فيه الأهواء والأغراض الشخصية وهو ما يخرج من نطاق مبدأ الحياد والاستقلالية بالإضافة إلى مخالفته مبدأ الوترية في التحكيم ، ولكن يبقى في نطاق التحكيم ما دام التحكيم صدر بالإجماع.

حكم التحكيم ومشروعيته في الإسلام

نزلت الآيات صريحة في القرآن الكريم والتي تدعو الى اتباع التحكيم لفض النزاعات في الاسلام لقوله تعالى “أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون” الزمر 46

وقوله تعالى “انا نزلناه اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ” النساء 105

فأدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله وَكَل إليه بيان الحكم باجتهاده ، فاجتهد على ضوء ما نزل عليه من أحكام وما ألهمه الله من تشريع واجتهد الصحابة من بعده ، وقد أثبت الله صفة الحكم بالرسول عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ” النساء 65

(وحتى يحكموك): أي يجعلوك حكما فيما بينهم من خصومات ونزاعات وهو التحكيم

وقوله تعالى “وإذ دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون.” النور 48

أي أن التحكيم موجود في الإسلام ومشروع صراحة بما لا يقبل الاختلاف وقد أكدت السنة

وجوده في مواضع كثيرة كتحكيم سيدنا أبو بكر الصديق بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها.(14)

الفرق بين التحكيم الإسلامي وغيره من طرق فض النزاعات

لا بد من التطرق إلى الفرق بين التحكيم في الإسلام وبين الأنظمة والوسائل التي قد تتشابه مع موضوع التحكيم كالقضاء والصلح والوكالة والخبرة والافتاء

الفرق بين القضاء و التحكیم

التحكيم شعبة ٌ من شعب القضاء. قال صاحب تبصرة الأحكام  (وأما ولاية التحكيم بين الخصمين فهي ولاية مستفادة من آحاد الناس وهي شعبة من القضاء متعلقة بالأموال دون الحدود واللعان والقصاص).(15)
ويظهر أيضاً مما سبق من أقوال أهل العلم بعض الفروق : ففي التحكيم يجب رضا الخصمين بالمحكّم، ولا تجب إجابة الخصم للتحكيم أمام شخص ٍ بعينه إلا إذا تعيّن، ويجوز الرّجوع من أحد الطرفين قبل الحُكم، وتنحصر صلاحية المحكّم فيما حكّمه فيه الخصمان فقط فليست له سلطة ٌ على غيرهما حتى وإن كان ذلك من مستلزمات قضائه بينهما، وليس له النّظر في قضايا الحدود والقصاص واللعان..

القضاء هو الفصل في خصومات الناس ویشترط في المحكم بشكل عام ما یشترط في القاضي من الإسلام والعقل والبلوغ والحریة والعلم وسلامة الحواس إلا أن هنالك فروقاً واضحةً بین القضاء و التحكیم ومن أهمها:

1.من حیث الاختصاص فان للقاضي ولایة أوسع من دائرة التحكیم الذي لایُستخدم بما یتعلق بالحدود والقصاص والنكاح مثلاً.

2.التولیة ، فالقاضي من قبل الإمام أو نائبه اما المحكم فمن المتخاصمین.

3.حجة حكم التحكيم تكون ملزمة على الأطراف أما حكم القاضي حجة على العموم.

4.لا یحق للمحكم تفویض غیره بالتحكيم أما القاضي فیستطیع ذلك.

5.للمحكمین عزل المحكم بعد اختیاره وقبل صدور الحكم، أما القاضي فلا یملك حق عزله إلا الإمام أو الوالي.

   وأخيراً فإن التحكيم أوسع من القضاء في الاختصاص المكاني ، فالتحكيم يصح بين الطرفين ، ولو اختلفت أمكنتهم ، أما قضاء القاضي فمقيد بالنظر وفق الاختصاص المكاني وبالتالي يجوز للحكم أن ينظر في قضية برضى الطرفين ولو كان المدعى عليه لا يقيم في بلد التحكيم.

الفرق بین الوكالة والتحكیم:

الوكالة هي اقامة الإنسان غیره محل نفسه في تصرف جائز ومعلوم یملكه وقابل للنیابة، ویتفق التحكیم مع الوكالة بأن كلیهما یعتبر من الولایة، وأن الرضا هو المثبت لهذه الولایة ، فلا یملك الوكیل مباشرة العمل إلا بإذن الموكل ورضاه، والمحكم لا تنعقد له ولایة النظر في النزاع إلا برضا المتحكمین إلیه، وبالنطاق والحدود المعینة من حیث الزمان والمكان والموضوع.

فالتفويض الذي هو مقتضى الوكالة يوجب أن يعمل الوكيل لما فيه مصلحة الموكّل وأن ينوب عنه في تحصيل ما يدّعيه من الحقّ أمام خصمه ولا يتصرّف إلا بإذنه وأمره،لا أن يُخضع الموكّل للتحقيق والحكم على موقفه صحة ً وخطأ ً كما هو الحال في التحكيم، فالفرق بينهما كالفرق بين القاضي ومحامي الدفاع حيث أن المحامي وكيلٌ بالخصومة.
قال ابن العربي المالكي مظهراً الفرق بينهما في معرض شرحه لقوله تعالى (وإن هذا نص من الله سبحانه في أنهما حكمان لا وكيلان وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى وللحَكَمِ اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله سبحانه كل واحد منهما فلا ينبغي الخروج فكيف لعالم أن يركب معنى أحدهما على الآخر فذلك تلبيس وإفساد للأحكام.

و تختلف الوكالة عن التحكیم، في أن الوكیل لا یتصرف إلا بما یأتي بمصلحة الموكل فیتصرف بإرادة موكله الصریحة أو الضمنیة حتى نهایة الوكالة، ولا یملك مخالفتها، وإلا كان تصرفه باطلا أو موقوفا على إجازة الموكل، أما المحكم فله السلطة الكاملة في النظر في النزاع، ویباشر عمله باستقلال كامل عن إرادة الأطراف، وسوجه الحكم إلى أي منهما، ویكون حكمه لازم لهما.

التحكیم والصلح:

یعرف الصلح لغة بأنه قطع النزاع اما شرعاً أو عقدا یحصل به قطع المنازعة، والصلح له نواع عدیدة اما بین المسلمین والكفار أو بین الامام والبغاة، أو في المعاملة، ویكون كذلك بین الزوجین.

وهو مشروع ومذكور صراحة في القرآن لقوله تعالى (وإن طائفتین من المؤمنین اقتتلوا فاصلحوا بینهما) الحجرات 9

فالصلح هو عقد وضع لحل النزاع وقطع الخصومة بالتراضي ویجتمع الصلح مع التحكیم كل منهما یعتبر عقد رضائي، وأنهما ينهیان النزاع، ویختلف التحكیم عن الصلح بأن عقد الصلح یتنازل فیه الخصوم عن الحق أو جزء منه بالتراضي بین الخصوم، أما المتحكم الذي عین محكماً لینهي الخصومة فلا یعلم إذا كان سیأخذ حقه أم سیخسر.

ولا بد من الإشارة قي هذا الموضوع إلى التحكیم العادي والتحكیم بالتفویض بالصلح:

التحكیم العادي هو الذي یعطى أطرافه الحق في اختیار القانون والإجراءات والقواعد التي تتبع لفض النزاع، أما التحكیم مع التفویض بالصلح هو الذي یعطي هیئة التحكیم حریة أكبر بالفصل بالنزاع وفق القانون والإجراءات التي تراها مناسیة أكثر.

وهو ما لیس له مكان في التحكیم الإسلامي، حیث أن مرجع المحكم قواعد الشریعة الإسلامیة، فلا یستطیع المحكم أن یختار من الأحكام ما یرام مناسباً وفق حریته الكاملة ولا یستطیع الأطراف اختيار ما یریدونه من إجراءات لأن مردها في النهایة إلى الدین الإسلامي وما ورد فیه من أحكام.

الفرق بین التحكیم والخبرة:

الخبرة هي تقدیم الرأي في موضوع معین طلب من الخبیر ابداء رأیه فیه، ولیس له أي قوة إلزامیة للخصوم أو القاضي، فهو رأي استشاري، یستجلي الغموض في مسألة معینة للمحكم أو القاضي الاخذ به أو رده.

والخبير هو صاحب الاختصاص في مجال ٍمعيّن ، كأن يكون طبيباً أو تاجراً أو  محاسباً  أو غير ذلك من المهن والاختصاصات ، ومنه قوله تعالى (ولا ينبئُك مثل خبير).(16)

في حین أن حكم المحكم إذا ما صدر صحیحاً، یكون ملزما ً للخصوم ولو كان مخالفاً لرغباتهم أو مصالحهم.

ولیس هنالك ما یدعو إلى الخلط بین التحكیم والخبرة، لاختلافهما عن بعضهما البعض، ولكن لا یمنع أن یكون المحكم خبیراً أي شيء، فإذا ترافع إلیه الخصوم لیفصل في نزاعهم فقد یكون المحكم خبیراً شریطة أن تتوافر فیه شروط المحكم، والمقصود بالخبرة في التحكیم الإسلامي أن یكون عالماً وداریاً بالقواعد الشرعیة، والأنظمة التجاریة، والعرف السائد.

ومن هنا نجد الفرق بین المحكم والخبیر على النحو التالي:

1.یشترط في المحكم أن یكون على علم ودرایة بقواعد الفقه، والأعراف وأنظمة التجارة علماً كاملاً واسعاً، أما بالنسبة للخبیر فلا یُشترط علمه إلا في مجال المسألة التي طرحت علیه.

2.في التحكیم یكون اختیار المحكم على أساس رضا الخصوم، ویباشر سلطته في التحكیم بناء على اتفاقهما، أما الخبیر فلا یُشترط في اختیاره رضا الخصوم ویباشر عمله بناءً على طلب الهیئة التي عینته وطلبت منه ذلك.

3.یشترط في التحكیم الإسلامي أن یكون المحكم مسلماً لأن لا ولایة للكافرعلى المسلم، ولكن في الخبرة لا یُشترط ذلك لإن مهمتهم لیست الولایة بل الإدلاء بما لدیهم من معلومات علمیة أو فنیة في مسألة معینة.

4 .تنتهي مهمة المحكم بإصدار الحكم المنهي للخصومة، بینما الخبیر بتقدیم تقریر الخبرة.

5.الأصل أن حكم المحكم یكون ملزماً إذا كان صحیحاً وواقعاً ضمن اختصاصه، أما رأي الخبیر فهو استشاري، إن شاء أخذه وإلا رفضه

التحكيم والإفتاء: (17)

     كلٌ من التحكيم والإفتاء بيانٌ لحكم الشرع في واقعة ٍبعينها، لكنّ التحكيم  بيان ٌ مع الإلزام والسلطة، والإفتاء بيانٌ بغير إلزامٍ ولا سلطة تنفيذ ففي الفروق للقرافي مع هوامشه (الفتوى محض إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة والحكم إخبار ما له الإنشاء والإلزام أي التنفيذ والإمضاء لما كان قبل الحكم فتوى) والفتوى لا تقتصر على المستفتي وحده بل يعمل بها غيره اختيارا ً بينما التحكيم خاص ٌ بالخصوم.
وبين التحكيم والإفتاء عموم ٌ وخصوص حيث أن (كل ما يتأتى فيه الحكم يتأتى فيه  الحكم تتأتى فيه الفتوى ولا عكس، وذلك أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم ألبتة بل إنما تدخلها الفتيا فقط فكل ما وجد بها من الإخبارات فهي فتيا فقط فليس لحاكم أن يحكم أن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة) كما أن الفتوى تكون في كل أبواب الفقه والتحكيم لا يكون إلافي القضية محل النّظرإن كانت فيما يجوز فيه التحكيم أصلا ً، كما في غير  الحدود والقصاص واللعان على ما سنأتي في بيانه لاحقاً.

وخلاصة القول هي أن التحكيم نظام إسلامي للفصل في النزاعات ويختلف عن الخبرة والوكالة، ويعلو على كل من الصلح والإفتاء ويتشابه كثيرا مع القضاء.

شروط التحكیم في الاسلام:

وجد التحكیم شروط أساسیة لا یصح التحكیم بدونها، حيث لا بد ومن توافرها لیعتبر التحكیم صحیحاً مستوفیا لكافة شروطه، والشروط تقسم إلى:

1.الشروط الموضوعیة المتعلقة بصحة اتفاق التحكیم وتسمل ما یتعلق بأطراف التحكیم والمحكم والموضوع.

2.الشروط المتعلقة باتفاق التحكیم من تعیین المحكمین وعددهم وتشكیل اللجنة أو الهیئة.

و یبدأ نظام التحكیم بالاتفاق على حل النزاع، ومهما كانت صورته (شرط أم مشارطة ) فهو تصرف قانوني لا بد ومن نوافر شروط الموضوعیة لصحة الاتفاق وهي التراضي والمحل والسبب والأهلیة.

التراضي في التحكیم الاسلامي:

لا بد من وجود الرضا في اتفاق التحكیم، لأنه یتم بوجود إرادتین متطابقتین صحیحتین، ومعنى ذلك أنه لا یكتفى بوجود إرادة صحیحة وحسب ، وأن تكون هاتان الارادتان خالیتتان من اي عیب من عیوب الإرادة وبما أن التحكیم عقد رضائي، ینعقد بتطابق ارادتي الطرفین على أن یحل التحكیم محل القضاء فلا بد أن یكون التراضي موجود وخال من العیوب.

والرضا في التحكیم الإسلامي یكون كالتالي:

1.یشترط في التحكیم تراضي المحتكمین على من یحكمانه، أین كانت الطریقة التي یعبر فیها صاحبها سواء لفظاً أو سكوت، أما الشافعیة فقد ذهبت إلى اللفظ وتركت السكوت لأن رضا الخصمین هو أساسي في التحكیم.

2.استدامة رضا الأطراف لصدور الحكم، وتعني أنه للأطراف الثبات على رضاهما منذ اللجوء إلى التحكیم إلى صدور حكم التحكیم، ومعنى ذلك أنه یجوز لأحد الخصوم الرجوع وعزل المحكم قبل صدور الحكم، ولو كان ذلك بعد إقامة البینة.

وعكس ذلك ما ذهبت إلیه المالكیة حیث منعت إمكانیة عزل المحكم بعد اختیاره والبدء في عمله لأي سبب من الأسباب.

الأهلیة في التحكیم الاسلامي:

الأهلیة تشابه الرضا من حیث وجوب توافرها بالمحكم وأطراف النزاع، حیث لابد ومن توافر الأهلیة الكاملة عند الأطراف وعند المحكم.

1.أهلیة اطراف التحكیم

یشترط في المحتكم البلوغ والعقل وهذا شرط في صحة جمیع التصرفات، فلا یصح تحكیم الصبي الغیر ممیز والمجنون، لإنعدام أهلیة التصرف عند كل منهما وهذا لإنعدام العقل، واذا أبرم أي منهما عقد التحكیم فإن تصرفه یكون باطلً ولا یرتب أي أثر، وإذا حكم المحكم بناءً على اتفاقهما یكون تحكیمه باطلا ً.

والبلوغ في الفقه يختلف عما نجده في القوانين الوضعية، فاشترط الإسلام لتمام الأهلية بلوغ سن الرشد، وهو ما يختلف من إقليم إلى إقليم ومن دولة إلى أخرى حسب طبيعة مناخها وظروفها، أما القوانين الوضعية كالقانون المدني الأردني نص صراحة على انه لتمام الأهلية يجب بلوغ 18 سنة شمسية كاملة.
ومن ثم أجاز الفقه للصغير المأذون له بالتجارة على أن يبرم اتفاق تحكيم، ولكن على ألا يتجاوز التحكيم النظر في حدود الإذن المعطى له، وأجاز للوكيل والشريك إبرام اتفاق تحكيم.
ومع هذا ذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه لا يجوز للوكيل أو الشريك من غير موافقة باقي الشركاء، أو الصغير الماذون له بالتجارة إبرام اتفاق تحكيم، ولا حتى المحجور عليه بالافلاس (أي التاجر المفلس)، وذلك لأن التحكيم اتفاق بين الأطراف يرتب التزامات على الطرف الخاسر مما قد يرتب التزامات تفوق قدرة كل شخص تم ذكره سابقاً.
وبذلك اتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي بقاعدة الأهلية الني تتوافر في أطراف التحكيم او من يريد ابرام اتفاق التحكيم، وهي أن  كل من يملك حرية التصرف في حقوقه يجوز له أن يبرم اتفاق التحكيم.  وكل من يملك حرية التصرف يملك أيضاً حق الترك والتنازل إذا كان الطرق الخاسر.

أما بالنسبة للقانون التحكيم الأردني في المادة 9 أنه  أكد على وجود إرادتين (إيجاب وقبول) تخضعان من حيث الصحة للقواعد العامة في القانون المدني الأردني والتي تؤكد خلو الرضا من عيوب الإرادة في المواد من 135 إلى 156، والتي تحدثت عن عيوب الرضا من اكراه وتغرير وغبن وغلط ،وأكد على سلامة الأهلية من أي عارض من عوارض الأهلية في المواد من 116 إلى 134 من القانون المدني الأردني.
حيث نص في المادة 116 من القانون المذكور أن “كل شخص أهل للتعاقد مالم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون”.
ومن الأمور الاضافية التي اكدها الفقه في المحتكم هي الاسلام أي أن يكون مسلماً، فمن الجائز أن يكون ذمياً أو معاهداً أو مستأمناً للمسلم أو غير المسلم،ولا يشترط كذلك الحرية للمحتكم، فيجوز التحكيم للعبد مثل تحكيم الحر، أما إذا كان المحتكم مرتداً فتحكيمه موقوف على إسلامه، فإن مان أو قتل على الردة بدار الكفر بطُل تحكيمه، وإن أسلم صح تحكيمه..

2. أهلية المحكم

بالنسبة للمحكم فإنه تسري عليه الشروط المتعلقة بالمحتكم من حيث سلامة الأهلية وخلوها من العوارض، ليس هذا وحسب وإنما شدد الفقه على أهلية المحكم، حيث منع ألا يكون المحكم مسلماً؛ لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، ووضع شروطاً خاصة لتحدد صلاحية ولاية وصحة تحكيم المحكم وهي:

1.أن يكون المحكم معلوماً :أي أن يكون محدد باسمه وصفته، حيث لا يجوز التحكيم من مجهول.
2.أن يكون المحكم ممن يصلح للتحكيم ويكون أهلا للشهادة:
حيث لا يجوز أن يكون المحكم عبداً أو صبياً أو ذمياً او محدوداً في قذف لم يصح، وتشترط الأهلية من وقت التحكيم الى وقت الحكم.
3.أن يكون حراً بالغاً عاقلاً مقبول الفتوى عالماً بالشريعة، فالبلوغ والعقل يتعلق بهما التكليف ويُعتبران شرطاً لصلاحية المحكم، فلا يصح تحكيم المجنون أو الصغير.
4.ألا يكون المحكم خصماً، حيث لا يجوز تولية خصم التحكيم، ولا ينفذ حكمه أبداً
5.أن يكون المحكم مسلماً حتى يتولى التحكيم ويصبح حكمه صحيح ونافذ، فلا يجوز تحكيم الكافر ليتولى الفصل بين المسلمين في الخصومات.
. أن يتم اختياره برضا الخصمين.6
7(سلامة حواس المحكم، حيث يشترط ان يكون ناطقاً ليتسنى له النطق بالحكم، وسميعاً حتى يسمع حجج الخصوم وشهادة الشهود، وبصيراً لتمييز أطراف التحكيم.
8.ألا يكون بين المحكم وأحد الخصوم أي قرابة : كان يكون المحكم قريباً لأحد الخصمين، أو يعمل عنده، أو شريك له، أو وكيل أو نائب عنه، أو بينهما تجارة أو مدين لأحدهما.
9.ألا يكون المحكم إمرأة : حيث لا يجوز أن تتولى المرأة القضاء أو التحكيم وإلا كان حكم التحكيم باطلاً، وهذا لأن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل.
10.أن يكون المحكم عدلاً : فيجب أن تظهر عليه الأمانة والعفة عن المحارم، والبعد عن الريب، مأمون في الرضا والغضب، مُستعملاً لمروءة مثله في دينه.
. ألا يكون المحكم جاهلاً ، فعليه أن يكون عالماً بأصول العلم والاجتهاد.11
ووقت توافر الاهلية في المحكم من وقت تعيينه إلى وقت إصدار الحكم، ولا يصح حكمه بغير ذلك ويكون حكمه اذا فقد أهليته أو اكتسبها أثناء النظر في النزاع باطلاً.
أما بالنسبة للمشرع الأردني فقد شدد كذلك بموضوع أهلية ورضا المحكم، ليس هذا فحسب وإنما أكد على حياده واستقلاليته، وتوافر العلم والعدل لديه، وذلك في المادة 15 من قانون التحكيم الأردني :

أ-لا يجوز أن يكون المحكم قاصراً أو محجور عليه او محروماُ من حقوقه المدنية بسبب الحكم عليه بجناية أو جنحة مخلة بالشرف أو بسبب شهر إفلاسه ولو رُد إليه اعتباره.

ولكن كان قد خالف المشرع الأردني الفقه الاسلامي من عدة أبواب وجوانب وهي ما يخص رفض تحكيم للمرأة، فلم يحدد المشرع جنس معين للتحكيم، وذلك كما ورد في المادة 15 فقرة ب :”لا يشترط أن يكون المحكم من جنس محدد أو جنسية معينة إلا إذا اتفق طرفا التحكيم او نص القانون على غير ذلك”.
وكذلك بالنسبة إلى ديانة المحكم فالفقه حصرها بالمسلم وحده، أما المشرع الأردني فلم يحددها.
ولم يتطرق التحكيم الإسلامي إلى أمور اخرى، كان القانون الأردني قد شملها مثلما يتعلق المحكم المفلس والذي منعه قانون التحكيم الاردني من ممارسة عمله كمحكم منعا باتا ولو رد إليه اعتباره.
ولم يشر إلى آلية وطريقة قبول المحكم لعمله حيث أجازها بشكلها الشفوي بعكس الاردني الذي نص على أن قبول المحكم لمهمته يكون كتابة وهو نص المادة 15 فقرة ج: “يكون قبول المحكم القيام بمهمته كتابة…..”.
بالإضافة الى إفصاح المحكم عن أي ظروف تثير شكوك حول حيديته او استقلاله كما ورد في المادة 15 فقرة ج من قانون التحكيم الأردني :”…… يجب عليه أن يفصح عند قبوله عن أي ظروف من شأنها اثارة شكوك حول حيدته واستقلاله “، فقد اشترطه الفقه كشرط ولكن لم يتحدث عن إفصاح المحكم.

3. موضوع التحكيم (محل اتفاق التحكيم):

موضوع التحكيم هو الحقوق والقضايا التي يكون فيها التحكيم في الإسلام

اختلف الفقهاء فيما يجوز فيه التحكيم وما لا يجوز وذلك على النحو التالي:

أ) المذهب الحنفي:
ذهبت الحنفية على ان التحكيم يشبه الصلح، وما لا يجوز فيه الصلح لا يجوز فيه التحكيم، وبالتالي يجوز التحكيم في أي نزاع ما عدا ما يتعلق بالحدود والقصاص كالسرقة و الزنا و شرب الخمر و الردة والدية)، وذلك لأسباب منها:

1.أنها حق لله عز وجب وأن الإمام هو المتعين لاستيفائها

2.ان حكم الحكم بمنزلة الصلح وهذه الأحكام لا يجوز فيها الصلح، وبالتالي لا يجوز التحكيم فيها.
3.أن حكم المحكم حجة على الخصوم ويكون لازماً عليهم فقط، بينما الحدود والقصاص ملزمة للجميع.
4.التحكيم يكون تفويضا من الأطراف، والتفويض يصح بما يملك المفوض فيه حق نفسه وليس بما يتعلق بحقوق الله.

أي أن المذهب الحنفي أخذ بالتحكيم بكافة النزاعات إلا بما يتعلق فيها من القصاص والحدود

المذهب المالكي:
التحكيم جائز في الأموال، ولا يجوز التحكيم في الحددذ، أو الحقوق المتعلقة بالغير كالولاء أو النسب من اثباته أو نفيه.

المذهب الشافعي:
اختلف فيه بما يجوز فيه التحكيم من عدمه على النحو التالي:
الرأي الأول : أن التحكيم جائز في كل شيء.
الرأي الثاني :أن التحكيم جائز في الأموال فقط.
الرأي الثالث : ان التحكيم جائز في غير حدود الله وحقوقه المالية كذلك كالزكاة.
المذهب الحنبلي:

اعتمد الإمام أحمد بن حنبل أن المحكم يحكم في المال والقصاص والحدود والنكاح والنسب، أي في كافة حقوق الله وحقوق البشر، وقد ظهر مذهب فيه يقول أن التحكيم يجوز في كل شيء إلا في أربع وهي الزواج والنسب والقذف والقصاص.
ومن هنا خلاصة القول وآراء الفقهاء أن التحكيم يجوز في الأموال وما يجري في مجراه وما عدا ذلك كحقوق الله المتعلقة بالعقوبات والمالية لا يجوز فيها التحكيم، لما فيه من ضرر عام إذا أُبيح لغير الحاكم النظر فيها.
أي أن الفقه الإسلامي أعطى التحكيم الحق في جميع القصايا ما عدا التي تخص حقوق الله كالحدود وحقوقه المالية كالزكاة وكذلك كل ما فيه حقان، حق الله وحق المكلف سواء أكان حق الله الغالب كالقذف، أو حق المكلف كالقصاص والتغزير.

أما بالنسبة للمشرع الأردني في قانون التحكيم فقد نص صراحة في المادة 9 منه “لا يجوز الإتفاق على التحكيم إلا للشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يملك التصرف في حقوقه، ولا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح”، فقد أجاز المشرع الأردني التحكيم في جميع المسائل ما عدا ما لا يجوز فيها الصلح، وبناءً على ذلك فلا يجوز الصلح والتحكيم في نوعين من المسائل:
أ) الأحوال الشخصية كافة، فلا يجوز التحكيم في المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية كثبوت النسب وقيام الزوجية، والوراثة.

وكذلك لا يجوز التحكيم بما يتعلق بولي (الولاية) ناقص الأهلية سواء أكان لنقص عمره أو عارض الأهلية من جنون أو عته أو سفه وغيرها،وكل ما يتعلق بالحضانة والوصاية.
أما بالنسبة للحقوق المالية المتعلقة بالأحوال الشخصية، أي ما يترتب من حق مالي يرتبط بالأحوال الشخصية مثل نفقة الزوجة عند الطلاق أو نفقة الأقارب، أو التعويض عن الطلاق التعسفي، وتقسيم التركة بين الورثة، فهي حقوق يجوز فيها الصلح صراحة وبالتالي يجوز فيها التحكيم.
ب) كل ما يتعلق بالنظام العام من مسائل، لا يجوز أن تكون موضعا التحكيم، حيث لا يصح التحكيم بما يكون مخالفاً للنظام العام أو الآداب أو الأخلاق العامة.
ونرى التشابه الكبير بين المسائل التي يجوز فيها التحكيم  الاسلامي وقانون التحكيم الأردني، ومع هذا التحكيم في الإسلام أباح التحكيم في جميع الأحوال ما عدا ما ذكرناه، مالم يخالف الشريعة الإسلامية، فالتحكيم في الفقه أوسع من القوانين وأكثر تحديداً.(18)

سبب اتفاق التحكيم:

التحكيم عبارة عن وسيلة لحل النزاع القائم، والسبب في الإلتزام هو الغرض المباشر الذي من أجله تم اللجوء إلى التحكيم، فالسبب يتكون من عنصرين:

العنصر الأول وهو نية وضع حد للنزاع القائم أو المحتمل بين الطرفين.
العنصر الثاني هو الباعث الدافع لإبرام اتفاق التحكيم.
واذا كان السبب مخالفاً للنظام العام أو الآداب العامة أي غير مشروع، فلا يصح أن يكون سبباً لاتفاق التحكيم، وهذاما أكده التحكيم الاسلامي.
وكذلك أكد التحكيم الأردني السبب في مواد عديدة اذ كان يؤكد وجود الحكم لإنهاء النزاع والخصومة.

الشروط المتعلقة باتفاق التحكيم:

1.تعيين المحكمين في اتفاق التحكيم في الإسلام وعدد الهيئة وطريقة إصدار الحكم المنهي للخصومة:
لم يشترط الفقه الإسلامي بتعيين المحكم أسلوب معين وانما اكتفى بأن يكون المحكم أهلاً لذلك من سلامة الاهلية وما يتعلق بها من شروط، أما بالنسبة لعدد المحكمين فقد أجاز الفقهاء تحكيم الواحد، وأجازوا التحكيم المتعدد من اثنين أو ثلاثة أو أربعة، ولكنهم اشترطوا إجماع المحكمين على الحكم جميعهم، فلا يصدر الحكم بالأغلبية و الأكثرية، فعلى سبيل المثال لو كانت الهيئة تتكون من 5 أعضاء ووافق ثلاثة منهم أو أربعة فلا يصدر حكم التحكيم لعدم الإجماع، وكذلك لو كانت من ستة أعضاء واجمع على الحكم 5 فلا يصدر الحكم كذلك. وذلك تأكيد على مبدأ العدل والشورى بين المسلمين، والاخذ برأي الجميع، وفي الحقيقة لم يكن تعميل هذا المبدأ صعباً عليهم أو يؤدي إلى أي تعطيل أو تطويل للإجراءات وذلك لأن التحكيم في الإسلام كان مبنياً على أسس إسلامية وشرعية ، ومهما كان هنالك من اختلاف في الرأي كان يؤدي إلى إعلاء كلمة الحق و العدل، وبالتالي فإن حق الفرد مضمون في الإسلام أكثر من أي اتجاه آخر، فلم يكن اختلاف المحكم الواحد عن الهيئة إلا من باب إقامة العدل، وفي كثير من الأحيان كان يؤكد بعد إعادة النظر في النزاع.

وهو ما خالفه المشرع الأردني وغيره من القوانين الوضعية، والذي نص على وجوب أن يكون عدد المحكمين وترا، كما ورد في المادة 14 فقرة ب “اذا تعدد المحكمون وجب أن يكون عددهم وتراً وإلا كان التحكيم باطلاً”.
ومن ناحية أخرى فقد أجاز المشرع الأردني صدور الحكم بالاجماع او الأغلبية وهو ما ذكر بنص المادة 38 من قانون التحكيم الأردني ” إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من أكثر من محكم يتخذ أي قرار لهيئة التحكيم بما في ذلك حكم التحكيم النهائي بالإجماع أو الأغلبية مالم يتفق الطرفان على غير ذلك…”. ونجد أن ذلك من باب التخفيف والتسهيل في حل النزاعات.

2.الجزاء المترتب على عدم التعيين:

في حالة عدم تعيين المحكم من قبل أحد الأطراف أو امتنع عن تعيين المحكم في اتفاق التحكيم ويكون التحكيم باطلاً بطلاناً مطلقاً.
وذلك بعكس المشرع الأردني الذي لم يرتب البطلان، وانما في حالة عدم التعيين من قبل الأطراف، فإن للمحكمة المختصة وهي محكمة الإستئناف، بناءً على طلب الطرف الآخر تعيين المحكم استناداً لنص المادة 16 من قانون التحكيم الأردني:

أ   .  لطرفي التحكيم الاتفاق على اختيار المحكمين وعلى كيفية وتاريخ اختيارهم فإذا لم يتفقا على غير ذلك تتبع الإجراءات التالية:

1.إذا كانت هيئة التحكيم تتكون من محكم واحد تتولى المحكمة المختصة تعيينه بناءً على طلب أحد الطرفين.

2.وإذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من ثلاثة محكمين يعين كل طرف محكماً ويتفق المحكمان المعينان على تعيين المحكم الثالث، فإذا لم يعين أحد الطرفين محكمه خلال الخمسة عشر يوماً التالية لتسلمه طلباً بذلك من الطرف الآخر، أو إذا لم يتفق المحكمان المعينان على اختيار المحكم الثالث خلال الخمسة عشر يوماً التالية لتاريخ تعيين آخرهما تتولى المحكمة المختصة تعيينه بناءً على طلب أي من الطرفين وتكون رئاسة هيئة التحكيم للمحكم الذي اختاره المحكمان المعينان أو الذي عينته المحكمة.

3.تتبع الإجراءات المذكورة في البند (2) من هذه الفقرة إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من أكثر من ثلاثة محكمين.

ب .  وإذا خالف أحد الطرفين إجراءات المحكمين التي اتفقا عليها، أو لم يتفقا على كيفية القيام بتلك الإجراءات، أو لم يتفق المحكمان المعينان على أمر مما يجب الاتفاق عليه، أو إذا تخلف الغير عن أداء ما عهد به إليه في هذا الشأن تتولى المحكمة المختصة بناءً على طلب أي من الطرفين القيام بالإجراء أو بالعمل المطلوب.

3.إثبات اتفاق التحكيم ووجوده:

الاثبات معناه إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون، وبالقيود التي رسمها على وجود واقعة قانونية متنازع عليها او تصرف قانوني.
ففي اتفاق التحكيم في الإسلام ولأنه لا يشترط الكتابة، فيمكن اثباته بكافة طرق الإثبات من إقرار ويمين وقرائن وشهود وغيرها، فالكتابة في اتفاق التحكيم هي أداة اثبات وليست شرط انعقاد.
وهذا ما يخالف قانون التحكيم الأردني الذي نص على وجوب الكتابة في اتفاق التحكيم في المادة 10 من القانون المذكور وإلا كان الاتفاق باطلاً بطلاناً كلياً ولا وجود له ابداً، وعليه فإن وسيلة إثبات اتفاق التحكيم هي الإتفاق المكتوب بين الأطراف سواء أكان شرط أم مشارطة تحكيم، فالكتابة شرط انعقاد وليست شرط إثبات.

انتهاء خصومة التحكيم في التحكيم الإسلامي

تنتهي الخصومة في التحكيم الاسلامي بثلاثة صور:

1.العزل:

يستطيع المحكم عزل نفسه أي أن يتنحى من تلقاء نفسه قبل صدور الحكم، بشرط ألا يضر ذلك بالخصوم وهو ما اتفق عليه الفقهاء، فالمحكم يتنحى في أي وقت شريطة تبليغ الأطراف والهيئة.
ومن جهة أخرى يستطيع الأطراف عزل المحكم قبل صدور الحكم، ولا يعتد بحكمه بعد عزله، ولكن اختلف الفقهاء على عزل المحكم من قبل أحد الخصوم بإرادته المنفردة بعد الاتفاق على تعيينه كالتالي:

يرى جانب من الفقهاء أن عزل المحكم يكون قبل النظر في النزاع، واذا ما عزل المحكم من قبل أحد الخصوم امتنع عليه الحكم، أما بعد الترافع أمامه وإصدار الحكم فلا عبرة برجوع الخصم عن المحكم وللأخير الاستمرار في النظر بالنزاع

ومن وجهة نظر أخرى فيستطيع الخصوم عزل المحكم في أي مرحلة لأن الأصل رضا الاطراف عن المحكم، ولكن قبل صدور الحكم المنهي للخصومة، فإذا عزله أحد الخصوم فيمتنع عليه النظر في النزاع، أما بعد صدور الحكم فلا يعتد بالعزل أو الرجوع، وحجة أصحاب هذا الرأي أن الرضا هو أساس ولاية المحكم فإذا تخلف الرضا من أحد الخصوم فلا ولاية للمحكم.
ومن منطلق آخر فلا يجوز لأحد الخصوم عزل المحكم، واستدلوا بأن إرادة كلا الخصمين هي المنشئة لولاية المحكم، فلا يمكن أن تستبعد أحدهما بعزله بل لا بد من اتفاق إرادتهما على عزله.
أما المشرع الأردني فلم يحدد ميعاد لرد المحكم وإنما حدد ميعاد لمعرفة السبب الذي من شأنه رد المحكم، فقد سمح برد المحكم وذلك في حالة وجود أي شكوك باستقلالية المحكم وحياده، ولكن لا يجوز رد المحكم اذا علم بأسباب الرد قبل التعيين، أي أن الرد يكون في أي مرحلة من مراحل التحكيم اذا قامت ظروف تثير الشك حول الحيادة والاستقلالية وذلك وفق تقدير المحكمة المختصة.(19)

2.انتهاء الخصومة بانتهاء مهمة المحكم:

تنتهي مهمة المحكم بصدور الحكم أو بانتهاء الوقت المحدد للتحكيم مؤقتاً دون صدوره، فالغاية من التحكيم هي صدور الحكم فاصلا في موضوع النزاع، فإذا صدر الحكم انتهت مهمة المحكم، واطا كان التحكيم مؤقتا انتهت مهمته بمرور الوقت المحدد دون ان يصدر حكمه، فإن مضى ذلك اليوم أو قام عن مجلسه فلا يبقى محكما وتنهى ولايته، وليس له النظر في النزاع بتجديد الاتفاق وتولية جديدة.(20)

3.انتهاء الخصومة بسقوط أهلية المحكم:

فإذا فقد المحكم أهليته وتخلف شرط من شروط صلاحيته كأن يرتد المحكم والأصل أن المحكم مسلم ؛لإن لا ولاية للكافر على المسلم، انتهت مهمة المحكم
وهو ما ذكر في المادة 20 من قانون التحكيم الأردني
إذا انتهت مهمة المحكم بإصدار حكم برده أو عزله أو تنحيه أو وفاته أو عجزه أو لأي سبب آخر وجب تعيين بديل له طبقاً للإجراءات التي تتبع في اختيار المحكم الذي انتهت مهمته.

وفي ختام الحديث عن التحكيم نؤكد أن التحكيم من أقدم الوسائل لحل النزاعات في المجتمعات، وما حكم المحكم إلا نتاج اجراءات التحكيم وتكييف التحكيم في الفقه الإسلامي هو أن التحكيم نظاما إجرائي ذو طبيعة خاصة ، ولا بد من توافر الشروط اللازمة في المحكم والخصوم والنزاع والحكم ، وما الإختلاف البسيط بين التحكيم الإسلامي والتحكيم الأردني أوغيره من القوانين الوضعية ، إلا نتاج تطور المجتمعات وتقدمها ، وتغير نطاق المشكلات والنزاعات، وعليه فإن التحكيم الإسلامي نظام أصيل للفصل في النزاعات وهو من لوازم الإيمان وأصوله وواجب على الناس في غياب التحكيم.

المراجع:

القرآن الكريم والسنة النبوية.

الانجيل الكتاب المقدس.

المعاجم العربية:

1.أبو بكر الرازي ، مختار الصحاح ، مطبعة بولاق ، مصر1865

2.شمس الدين الشربيني الشافعي ، مغنى المحتاج ، دار الكتب العلمية ، لبنان 1994

الكتب العربية:

1.قدري محمد محمود ،التحكيم في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية ،دار الصميعي، الرياض 2009

2.نجيب أحمد عبدالله ثابت الجبلي،التحكيم  في القوانين العربية – دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية المكتب الجامعي الحديث للنشر، الإسكندرية 2006

3.محمد صبحي نجم،قانون العقوبات القسم العام ،دار الثقافة والنشر،عمان 2006

4.قحطان عبد الرحمن الدوري ،عقد التحكيم قي الفقع الإسلامي والقانون الوضعي ،دار الفرقان ،عمان 2002

5.اسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي. البداية والنهاية ، دار عالم الكتاب ، دمشق 2003

القوانين والأنظمة والاتفاقيات الدولية:

1.مجلة الأحكام العدلية.

2.قانون التحكيم الأردني رقم 31 لسنة 2001

3.دستور المملكة الأردنية الهاشمية لسنة 1952

4.القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976

الدراسات الجامعية:

1.حاتم عبد الرحمن محمد حسن إبراهيم ، دور التحكيم كوسيلة مثلى لفض المنازعات ، رسالة ماجستير ، السودان

2.الاستاذ الدكتور وهبة الزحيلي.أثار الحرب ،دار الفكر ،دمشق 2013
معن خالد القضاة.التحكيم في الشريعة الإسلامية،الولايات المتحدة الأمريكية 2010

قائمة المصادر والمراجع:

1.نجيب أحمد الجبلي .التحكيم في القوانين العربية ،المكتب الجامعي الحديث،الاسكندرية 2006

2.الشافعي .مغنى المحتاج،ج3،ص261

3.قدري محمد محمود.التحكيم في ضوء أحكام الشريعة،دار الصميعي ،الرياض2009، ص20

4.الشافعي.مغنى المحتاج،ج3،ص261

5.اسماعيل بن عمر الدمشقي.البداية والنهاية،دار عالم الكتاب،دمشق 2003،ج1،ص261

6.رسالة يسوع إلى أهل كورنثوس

7.فتح القديرمن كتب الحنفية

8. فتح الباري .إبن حجر

9. قدري محمد محمود.التحكيم في ضوء أحكام الشريعة،دار الصميعي ،الرياض2009، ص245

10. قدري محمد محمود.التحكيم في ضوء أحكام الشريعة،دار الصميعي ،الرياض2009، ص259

11.عن عبد العزيز بن عبدالله حدثنا ابراهيم بن سعد عن صالح بن شهاب قال:أخبرني عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم روته.

12.صحيح مسلم.ج5،ص92

13. نجيب أحمد الجبلي .التحكيم في القوانين العربية ،المكتب الجامعي الحديث،الاسكندرية 2006

14. قدري محمد محمود.التحكيم في ضوء أحكام الشريعة،دار الصميعي ،الرياض 2009

ص54و55

15.معن خالد القضاة.التحكيم في الشريعة الإسلامية،الولايات المتحدة الأمريكية 2010، ص6

16. معن خالد القضاة.التحكيم في الشريعة الإسلامية،الولايات المتحدة الأمريكية 2010، ص8

17. معن خالد القضاة.التحكيم في الشريعة الإسلامية،الولايات المتحدة الأمريكية 2010، ص7

18. نجيب أحمد الجبلي .التحكيم في القوانين العربية ،المكتب الجامعي الحديث،الاسكندرية 2006

19.محكمة الإستئناف الأردنية

20. نجيب أحمد الجبلي .التحكيم في القوانين العربية ،المكتب الجامعي الحديث،الاسكندرية 2006 ،ص370