الكاتب : بشرى الصعايدة

الأستاذ المشرف: أ.ليديا راشد

“لقد حفل الشعر العربي الجاهلي بالحديث عن الفروسية لأنها كانت الطابع المميز للحياة الجاهلية والسمة الغالبة على طبائع العرب ولأنها مجموعة المثل الرفيعة والبطولات الحربية التي ترددت على ألسنة الشعراء الفرسان وتجاوبت أصداؤها في أطراف الصحراء الواسعة وامتدت معانيها امتداد الرمال، فكانت أسلوب الحياة لمختلف الناس دون تمييز، يعبرون عنها بما يتناسب ومفهومها عندهم.(1)

الخيل لغة:

“الخيل: الفرسان، وفي الحكم جماعة الأَفراس لا واحد له من لفظه، قال أبو عبيدة: واحدها خائل لأنّه يختال في مشيته, قال ابن سيده: وليس هذا بمعروف. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ﴾ [سورة: الإسراء, الآية: 64 ](2)، أي بفرسانك ورجَّالَتِك. والخيل أيضا بمعنى الخُيول وفي التنزيل العزيز:﴿والخَيْلُ والبِغَالُ والحَمِيرُ لِتَرْكَبُوهَا﴾.(سورة: النحل، الآية: 08)(3).

وسُميت خيلا لأنها موسومة بالعزّ, فمن ركبها اعتز واختال على أعداء الله, ويكفي في شرف الخيل أنّ الله تعالى أقسم بها في كتابه فقال: ﴿والعاديات ضبحاً﴾ [سورة: العاديات, الآية: 01 ](4)، وهي خيل الغزو التي تعدو فتضج أي تصوت بأجوافها والجمع أخيال وخيول؛ الأول عن ابن الأعرابي، والأخير أَشهر وأَعرف. وفلان لا تُساير خَيْلاَهُ ولا توَاقَفُ خيلاه، أي لا يُطاق نميمةً وكذبا, والخيالة أصحاب الخيول والخَيال: بنت والمخايلة: المُباراة، تخايلها أي تفاخرها وتباريها, وقولهم: تَخَيَلْتَ أي اشتَبهت والخيل: الحِلْتيتْ. وخَال يخيل خيلاً إذا دَام على أكل الخيل وهو السّذابُ، قال ابن بري: والخَالُ الخائِلُ، يُقال هو خالُ مال وخائل أي حَسَن القيام عليه.”(5)

امرؤ القيس بن حجر بن الحارث من قبيلة كندة، شاعر جاهلي، قال الشعر وهو صغير ، ويشتهر في لقب الملك الضليل، وذي القروح، ويقال إنه أول من وقف على الأطلال ووصفها وبكى عندها، وأنه أول من شبه الخيل والسباع والظباء والطير فتبعه الشعراء وانتهجوا نهجه(6).وقد صنفه ابن سلام الجمحي ضمن الطبقة الأولى في كتابه طبقات فحول الشعراء.(7)

قيمة الخيل عند العرب في الجاهلية:

لقد كان الحصان يمثل أعز وأغلى ما يملك الرجل في العصر الجاهلي، وأهم ما يُحافَظ عليه من مال، وأحسن ما يُبذَل الغالي والرخيص في سبيل الحفاظ على صحته وسلامته، ومن أقوى الأدلة على ذلك أنه كان يُؤْثَرْ على الزوج والولد والنفس.

ويقول ابن رشيق القيرواني في كتابه العمدة إشارة إلى الاحتفالات التي كانت تقيمها العرب للحصان” وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم أو فرس تنتج” (8).ومن شدة اعتزازهم بها أنهم أسموها ونسبوها كما ينسب الابن إلى ابيه (9). “ويرتبط ذكر الخيل عند الشعراء الجاهليين بعدة أمور:

الأمر الأول: الحرب

الأمر الثاني: الصيد

الأمر الثالث: المفاخرة. “(10)

وصف الخيل في المعلقة:

1(وَقَد أَغتَدي وَالطَيرُ في وُكُناتِها … بِمُنجَرِدٍ قَيدِ الأَوابِدِ هَيكَلِ(

2(مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً … كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ(

)3كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِبدُ عَن حالِ مَتنِهِ … كَما زَلَّتِ الصَفواءُ بِالمُتَنَزَّلِ(

4(عَلَـى الذَّبْـلِ جَيَّـاشٍ كـأنَّ اهْتِزَامَـهُ … إِذَا جَـاشَ فِيْـهِ حَمْيُـهُ غَلْـيُ مِرْجَـلِ)

5(مسح إذا ما السابحات على الونى … أثرن الغبار بالكديد المركل)

6(يُـزِلُّ الغُـلاَمُ الخِـفَّ عَـنْ صَهَوَاتِـهِ … َيُلْـوِي بِأَثْـوَابِ العَنِـيْـفِ المُثَـقَّـلِ)

7(دَرِيْــرٍ كَـخُـذْرُوفِ الوَلِـيْـدِ أمَـــرَّهُ … تَـتَـابُـعُ كَـفَّـيْـهِ بِـخَـيْـطٍ مُـوَصَّــلِ)

8(له أيطلا ظبي وساقا نعامة … وإرخاء سرحان وتقريب تتفل)

9 (ضَلِيْـعٍ إِذَا اسْتَدْبَرْتَـهُ سَــدَّ فَـرْجَـهُ … بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْـسَ بِأَعْـزَلِ)

10(كَأَنَّ عَلَـى المَتْنَيْـنِ مِنْـهُ إِذَا انْتَحَـى … مَـدَاكَ عَـرُوسٍ أَوْ صَلايَـةَ حَنْـظَـلِ)

11(كأن دِمَاءَ الهاديات بنَحْرِهِ … عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بشَيْبٍ مُرَجَّلِ)

12(فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَه … عَذَارَى دَوَارٍ في مُلَاء مُذَيَّلِ)

13(فَأَدْبَرْنَ كَالْجِزْعِ المُفَصَّل بينَه … بجِيدِ مُعَمٍّ في العشيرة مُخْوِلِ)

14(فَأَلْحَقَنَا بالهاديات ودُونَهُ … جَوَاحِرُهَا  فِي صَرَّةٍ لم تزَيَّلِ)

15(فَعَادَى عِدَاءً بينَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ … دِرَاكًا ولمْ يُنْضَحْ بماءٍ فَيُغْسَلِ)

16(وظلّ طُهاة ُ اللّحمِ من بينِ مُنْضِجٍ… صَفيفَ شِواءٍ أوْ قَديرٍ مُعَجَّلِ)

17(ورُحنا راحَ الطرفُ ينفض رأسه… متى ما تَرَقَّ العينُ فيه تَسَفَّلِ)

18(فَـبَـاتَ عَـلَـيْـهِ سَـرْجُــهُ ولِـجَـامُـهُ … وَبَـاتَ بِعَيْنِـي قَائِمـاً غَـيْـرَ مُـرْسَـلِ) “(11).

شرح الأبيات:

1- يقول الشاعر : إنه يخرج إلى رحلته والطيور لا تزال في أعشاشها على فرس قليل الشعر ومن شدة سرعته يستطيع اللحاق بالوحوش ويقيدها.(12)

2- يقول الشاعر: أن هذا الفرس يقبل إذا أريد منه الإقبال ويدبر إذا أريد منه الإدبار معاَ، ثم يصف سرعته وصلابته  كأنه صخرة ألقاها السيل من مكان مرتفع.(13)

3- يقول الشاعر: إن هذا الفرس الكميت(التي تتميز بلون تختلط فيه الحمرة بالسواد) مكتنز اللحم وينزلق عنه اللبد من شدة انملاس ظهره كحجر صلب يزل الماء النازل عليه.(14)

4- يقول الشاعر: إنه رغم ضمور بطنه وقوامه النحيف إلا أنه تغلي فيه الحرارة من شدة نشاطه، وشبه صوت صهيله في صدره بصوت غليان القدر.(15)

5-يقول الشاعر: إن هذا الفرس يجري بسرعة وتتابع إذا كلّت الخيل السابحة بعدما أثارت الغبار بحوافرها وأقدامها .(16)

6- يقول الشاعر: إن هذه الفرس يزلق ويوقع الغلام الذي لا يجيد الفروسية عن ظهره، ويجرد الرجل الماهر في ركوبه من ثيابه لشدة جريه وفرط مرحه.(17)

7- يقول الشاعر: إن الفرس متواصل السير والعدو، ثم شبه سرعة مروره وقوة عدوه بحصاة مثقوبة يجعل فيها خيط بولغ في فتله فيديرها الصبي على رأسه فتدور بسرعة شديدة.(18)

8-شبه الشاعر خاصرة الفرس بخاصرة الظبي في ضمورها، وشبه ساقيه بساقي النعامة في الطول والانتصاب، وعدوه بعدو الذئب، وتقريبه (أي وضع القدمين موضع اليدين في الجري) كولد الثعلب.(19)

9-يقول الشاعر: إن هذا الفرس عظيم الأضلاع ومنتفخ الجنبين، إذا نظرت إليه من الخلف رأيت الفراغ الذي بين قوائمه قد غطي بذيل قد اقترب من الأرض ولا يميل إلى أحد الجانبين وهذا دليل على أصالته وعراقته.(20)

10-شبه الشاعر نعومة أعلى ظهره بالحجر الذي تستخدمه العروس لسحق الطيب به أو عليه، أو الحجر الذي يكسر عليه الحنظل.(21)

11-شبه الشاعر الدماء الجامدة على نحره من أوائل الصيد بالحناء على شعر المسن الأشيب.(22)

12- يقول الشاعر: ظهر لنا قطيع من بقر الوحش كأن إناثه نساء عذارى يَطُفْن حول حجر منصوب وهن يلبسن ملآت طويلة الذيول، وشبه المها في بياضها بالعذارى لأنهن لا يخرجن للشمس ولا يتعرضن لتغير لون بشرتهن بسببها، وشبه طول ذيولها وشعرها السابل بالوشاح ذي الذيل، وتبخترها بمشية العذارى.(23)

13-يقول الشاعر: إن هذه النعاج قد رحلت كالخرز اليماني الذي يفصل بينه جواهر في قلادة صبي مهداة من أعمامه وأخواله دليلا على كرمهم.(24)

14- يقول الشاعر: إنه يلحق بأوائل الوحش ويترك المتأخرات ثقة بسرعته وقوة جريه، فيلحق بأوائلها وأواخرها مجتمعة.(25)

15- يقول الشاعر: إنه استطاع أن يصطاد ثوراً ونعجة في طلقة واحدة حتى دون أن يتعرق بإفراط، أي أنه أدركهما بأقل جهد.(26)

16- يقول الشاعر:إنه من كثرة الصيد انقسم القوم إلى جزئيين، جزء يشوي اللحم على الأحجار وجزء يطهوه بالقدور.(27)

17- يقول الشاعر: إن العيون تكاد تعجز عن الإلمام  بمحاسنه وضبطها، وأنه كامل رائع الصورة، وأنه مهما أطالوا النظر إلى أعالي الفرس، تضل قوائمه تجذب نظرهم لشدة جمالها.(28)

18-يقول الشاعر: إن فرسه بات أمام عينيه مسرجًا ملجمًا، يعلف غير مهمل.(29)

الهوامش:

1.نوري حمودي القيسي، الفروسية في الشعر الجاهلي،ص27.

2.القرآن الكريم، سورة الإسراء،الآية:64

3.القرآن الكريم، سورة النحل، الآية08

4.القرآن الكريم، سورة العاديات، الآية01

5. دلال شيباني، الخيل في الشعر الجاهلي(طفيل الغنوي انموذجا)،ص6،

6. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع،ص11،ص12 ،بتصرف

7. محمد سلام الجمحي، طبقات الشعراء،ص41، بتصرف

8. رمضان لاوند، الفرس والفارس،ص86، بتصرف

9. دلال شيباني، الخيل في الشعر الجاهلي(طفيل الغنوي انموذجا)،المقدمة(أ)

10. نور الدين عرامي، صورة الخيل في الشعر الجاهلي، ص33 ص34 ص

11. أبو عبدالله الزوزني،شرح المعلقات السبع، ص32_ص3، بتصرف

12. أبو عبدالله الزوزني،شرح المعلقات السبع، ص32، بتصرف

13. أبو عبدالله الزوزني،شرح المعلقات السبع،ص32، بتصرف

14. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص33، بتصرف

15. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص33، بتصرف

16. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص33، بتصرف

17. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص34، بتصرف

18. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص34، بتصرف

19. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص35، بتصرف

20. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص35، بتصرف

21. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص35، بتصرف

22. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص36، بتصرف

23. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص36، بتصرف

24. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص36، بتصرف

25. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص37، بتصرف

26. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص37، بتصرف

27. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص37، بتصرف

28. أبو عبدالله الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص37، بتصرف

29. ص38 أبو بكر الأنباري، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات،ص99، بتصرف

المصادر:

القرآن الكريم

1-الأنباري ،أبو بكر ، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، دار المعارف،ط5، ت عبد السلام محمد هارون،.

2-الزوزني، أبو عبدالله شرح المعلقات السبع، الدار العالمية، بيروت،1992

3-القيسي، نوري حمودي الفروسية في الشعر الجاهلي، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1984.

4-الجمحي، محمد سلام طبقات الشعراء، دار الكتب العلمية،بيروت،لبنان،2001.

5-شيباني، دلال الخيل في الشعر الجاهلي(طفيل الغنوي انموذجا)، جامعة العربي بن مهيدي-أم البواقي، رسالة ماجستير.

6-عرامي، نور الدين “صورة الخيل في الشعر الجاهلي”، جامعة محمد خيضر-بسكرة، رسالة ماجستير.

7- www.ramadanlawand.com

.