الكاتب: عبدالعزيز يونس عبدالحميد العبود

المدقق اللفوي: د.ابتسام حسين 

العلاقة بين الهندسة والعلم والتكنولوجيا

شهد العالم منذ ما يزيد عن عشرة آلاف سنة حركة اجتماعية واقتصادية من نوع خاص، تمثلت في استخدام ذكاء الإنسان البسيط ومواهبه المتواضعة، ويمكن تأريخه لمراحل الحضارة الإنسانية في سلسلة الثورات التكنولوجية المتوالية التي غيرت وجه الحضارة الإنسانية.

بدأ ذلك بالثورة الأولى التي تسمى ثورة العصر الحجري الحديث، والتي كان الحجر فيها هو المادة الخام لصنع الأدوات والأسلحة والأوعية، وكانت تلك الثورة بداية لسلسلة متواصلة من الثورات التكنولوجية المتلاحقة التي نعيش اليوم على أطرافها.[1]

الثورتان الفارقتان في تاريخ البشرية

1: الثورة الصناعية

بدأت في القرن السادس عشر، واعتمدت على الآلة والماكنة التي قد يحركها الإنسان أو الحيوان أو المياه أو الرياح. وما إن اكتشفت الطاقة حتى أخذت الماكنات تدور بالطاقة الناتجة عن الاحتراق. وانطلقت الثورة الصناعية من أيدي الإنسان وعضلاته حتى الإبداع العقلي في صنع الآلات.[2]

2: الثورة التكنولوجية

وهي التي جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. حيث بدأت الاختراقات العلمية والإبداعات التكنولوجية والاستثمار في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي والهندسي. ومن أهم هذه الثورات: ثورة الطاقة والبترول، وتحوله إلى عصب الحضارة، وثورة النقل والاتصالات، والطاقات، والفضاء، والالكترونيات.[3]

خصائص الثورة التكنولوجية

إن القفزات التكنولوجية في أي حقبة من الحقب لا تتحرك في اتجاه واحد، وإنما تأخذ نمطًا عنقوديًا، وتمثل حالة انفجارية تنتج عنها تابعات. فتكنولوجيا الإشعاعات انبثقت عنها تكنولوجيا هائلة في الطب والزراعة، وتكنولوجيا الإلكترونيات الدقيقة انبثقت عنها تطبيقات في الطب والاتصالات والحاسوب، وهكذا. والتكنولوجيا تعتبر ظواهر اجتماعية ترتبط بالإنتاج، وليست نخبوية تقوم على النشاط الفردي المحصور في الإطار النظري. هذا في حين أن المهندس والفني والعامل والهاوي، يمكن لأي منهم أن يحدث شيئًا تكنولوجيًا جديدًا. إن التكنولوجيا والاختراعات يشترك في صنعها وتطويرها جميع الأصناف من الناس، رجالًا أو نساءً، متعلمين أو لا، وجميعهم مشتركون بخاصية واحدة، هي استعدادهم لتلبية حاجة اجتماعية ذات أهمية، وتستحق بذل الوقت والمال.

وكما هو الحال في العلوم، فإن التكنولوجيا مرت بأطوار مختلفة، ولعل أبرز ما يهمنا هو علاقتها بالهندسة. لم تكن مسافة كبيرة في الماضي تفصل بين التكنولوجيا والهندسة. لقد كان الفرد نفسه، ومن خلال تجربته ومعايشته للمنتج، يفكر ومن ثم يصمم القطعة أو الآلة البسيطة التي يريدها، ثم يقوم بصنعها، فكان هو المهندس والتكنولوجي والصانع. ومع تقدم وتعقد المنجزات، نشأ التخصص النسبي، فصار هناك المهندس الذي يضع التصميم، وهناك من ينتجه، ومن هنا بدأت الهندسة ظاهرة اجتماعية شديدة الارتباط بالتكنولوجيا أيضًا.[4]

عناصر الثورة التكنولوجية

1-الطاقة   2-الاستخدامات في الإنتاج   3-النقل والاتصالات 4-البنية التحتية

 5-الفضاء الاجتماعي: أي المجتمع “الدولة”   6-البيئة   7-الفضاء[5]

تطوير التكنولوجيا

إن تطوير التكنولوجيا وتوظيفها في العمليات الإنتاجية الخدمية، وكذلك المعدات والمنظومات وهندسة المشاريع، تتطلب قاعدة علمية وتعليمية وثقافية، تتضمن تشابكًا متينًا بين مفرداتها الرئيسة، على النحو التالي: 1- نشر الثقافة العلمية.  2- الانتقال بالمجتمع من ثقافة ما قبل العلم إلى ثقافة العقل العلمي والتكنولوجي. 3- إعادة بناء سلم القيم الاجتماعية ليصبح العمل والإنجاز هو مناط التقدم والأولوية. 4- إعادة الاعتبار للعمل اليدوي والذهني. 5- نشر ثقافة التجربة والجرأة والمخاطرة.[6]

العلم والهندسة

لعل واحدة من السمات الكبرى للحضارة، هي أنها نقلت حياة الإنسان من حالة الفطرة “البسيطة” إلى التعامل العاقل المدبر والمبرمج مع مفردات الطبيعة ومنتجاتها. وقد تمت على مراحل:

أولًا: من خلال إنشاء المأوى والزراعة البسيطة. وثانيًا: إنشاء المشاريع الصناعية واستخراج الخامات، وإقامة المدن، وتصنيع الزراعة. وثالثًا: مشاريع الطب والاتصالات، وغزو الفضاء، وكشف أعماق المحيطات، وتطوير مصادر الطاقة.

إن الهندسة هي أوسع بكثير من مجرد معلومات، وأعمق من مجرد خبرة وممارسة، إنها تركيب من العلم والمعلومات، والخبرة والممارسة والخيال والإبداع، لخدمة هدف مسبق التحديد.

 فلنأخذ مثال الكرسي، هذا التمثيل البسيط للغاية يهدف إلى رؤية الهندسة خلف المنتج النهائي. فرغم أنه يمكن أن يكون المنتج النهائي بسيطًا كمثالنا، إلا أن الهندسة الكامنة خلف هذا المنتج البسيط بالغة التعقيد.[7]

العلم والتكنولوجيا

لا بد من التأكيد مرة أخرى على الأهمية المطلقة لكل من العلم والتكنولوجيا في الحياة الإنسانية المعاصرة، قبل الخوض في الهندسة ومفاهيمها. تنطلق كلمة العلم في العربية من مفهوم الوصول إلى الخبر والحقيقة. ولذا، مع مرور الزمن وتقدم التكنولوجيا والهندسة، سقطت الكثير من هذه الأخبار والحقائق، لتحل محلها معارف أكثر دقة وقربًا من الحقيقة المطلقة للأشياء. إن الهندسة والتكنولوجيا والعلم مرتبطون ارتباطًا شديدًا. فلا يوجد تكنولوجيا بلا علم، ولا تكنولوجيا بلا هندسة، فليس هناك إنتاج متقدم إلا وترافقه تكنولوجيا متقدمة، وهندسة متقدمة جدًا .[8]

أين هو العلم ومن يطوره:

أن يصل الإنسان إلى القمر ويضع قدمه عليه، هو دليل قطعي على قدرة الإنسان وصحة مفهومه للكون. لكن هنا يأتي سؤال “من؟” بمعنى من هو الفرد المعين، وأي مجتمع ذلك الذي حقق هذا الإنجاز لتكون له مكانة مختلفة عن الآخرين.

أجيب سؤالي بمثال بسيط جدًا، هو براءات الاختراعات. إن اليابان تسجل أعلى براءات اختراعات في العالم، فكل مليون نسمة يقابله 1057 براءة إختراع. وفي الدول العربية تتصدر مصر، حيث يقابل كل مليون نسمة “براءة اختراع واحدة”. هنا أعتقد أنكم وجدتم جواب سؤالي ب “من”، وهنا يجب علينا العودة إلى نقطة “تطوير التكنولوجيا” لنجد الحل لهذه المعضلة. [9]

الترابط بين العلم والتكنولوجيا

إن تداخل الهندسة والتكنولوجيا والعلم من شأنه فتح آفاق لا حدود لها للمشاريع الجديدة والتطورات والابتكارات. فالتكنولوجيا والهندسة المتقدمة في الإلكترونيات أنشأت صناعات تتعلق بالطب والدواء والكيمياء والتغذية، وهذا يقودنا إلى أحد القواعد الأساسية في مسألتي الهندسة والتكنولوجيا، وهي أن انخراط العقول الهندسية والمهارات والأيدي الصانعة في العمل هو المحرر الرئيسي الذي يستند إليه المركب الهندسي التكنولوجي، وليس مجرد العقول المفكرة بعيدًا عن التطبيق والمهارات. [10]

التعليم التكنولوجي

إن التعليم في أحد جوانبه هو استثمار للمال والجهد للارتقاء بعقل الإنسان وقدرته على تلبية احتياجاته على طريق الارتقاء والنهوض. أي أن التعليم استثمار اقتصادي، وينبغي أن يكون له عائد يغطي كلفة الإستثمار. ومن هنا، فإن عدم توظيف العلم في بناء المشاريع يعني مردودًا متناقصًا بكل معنى الكلمة. إذا رجعنا إلى المهندسين والتكنولوجيين قديمًا، نلاحظ أن اهتمام العلماء بهم كان قليلًا، ذلك لأن العلماء كانوا منشغلين باستكمال الصورة الرياضية والميكانيكية للعالم النيوتني. إن دور الهندسة في العمل الاقتصادي الإنتاجي سواء في السلع أو الخدمات أو الأنظمة، هو دور لا حدود له على الإطلاق. بمعنى أن كل مفردة علمية أو مشروع هندسي أو منجزة تكنولوجية جديدة، قد يأتي منها آلاف وعشرات آلاف المشاريع الصغيرة، ولربما الكبيرة، والتي يمكن الاستفادة منها بمئات الطرق لترضي احتياجات المستهلكين. وقد أغلقت الكثير من الدول هذا الترابط، فهي تنفق على التعليم ولا تنفق على الصناعات التعليمية، وتنفق على البرامج لا على تكنولوجيا المختبرات، وتنفق على التعليم الهندسي لا على صناعة الهندسة، وهذا ما أعاق سرعة تقدمها بشكل كبير. وفي النهاية، إن كل استغلال للإمكانات الفردية بإطلاق طاقات الإبداع والابتكار والعمل والمثابرة هو بناء في الثروة المعرفية، ومساهمة في تقدم المجتمع وازدهاره.[11]

التوثيق

/ [1]ص17  [2]ص18 [3]ص18 [4]ص19-20  [5]ص21 [6]ص22-25 [7]ص26-29 [8]ص30-32 [9]ص32-35 [10]ص36-38 [11]ص39-42                                                                                                        من كتاب الهندسة والمهندس / الفصل الأول / تأليف : د. إبراهيم بدران : د. لبنى بدري محمد