الاسم: محمد الثاني” عبد العزيز فوزي أبو حمد”

الأستاذ المشرف: د. فاطمة محيسن

المقدمة

 أبو ذؤيب الهذلي شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام فحسن إسلامه، أنشأ عينيته في رثاء أبنائه الخمسة ، وهذا ما جعل القصيدة تخرج أنموذجًا رائقًا في بناء قوي متماسك، فلم تكن الحالة النفسية عند الشاعر كأي شاعر آخر؛ فإفراغ الشحنة العاطفية في قصيدته جعلها تأخذ مكانة خاصة في غرض الرثاء، وتنال شهرة عظيمة لم تنلها قصيدة أخرى.

إن المستوى الرفيع للقصيدة من جهة، وخصوصية الموقف الذي  بُنيت عليه من جهة أخرى، هو ما جعل البحث يلقي الضوء على العناصر التي استخدمها الشاعر في بنائه وهذه العناصر هي ما جعلت القصيدة تخرج في قالب من الإبداع الفني، على الرغم من الحالة النفسية التي مرّ بها.

وبوصفه شاعرًا مخضرمًا شهد له الكثيرون بالفحولة والإبداع، فقد تناول كثير من الباحثين شعره وعينيته، خصوصًا ومنهم: نورة الشملان في دراستها المعنونة بـِ ” أبو ذؤيب الهذلي، حياته وشعره”؛ وقفت فيها الشاعرة الباحثة على حياة الشاعر وقبيلته وبيئته المكانية والاجتماعية وعن شعره ومضامينه، لكنها لم تفرد للقصيدة جانبًا خاصًا في دراستها. كذلك تناول شعره نصرت عبد الرحمن في بحثه ” الواقع والأسطورة في شعر أبي ذؤيب الهذلي الجاهلي” ركَّز فيه على الجانب الأسطوري في شعر أبي ذؤيب عمومًا. وكذلك فعل محمد منصور في بحثه المعنون بـِ ” أبو ذؤيب الهذلي حياته وشعره دراسة توثيقية نقدية وتحليلية فنية”؛ سعى فيها الباحث إلى توثيق شعر أبي ذؤيب وتحليله فنيًّا ونقديًّا، وهناك دراسة أخرى محمد علي أبو حمدة بعنوان” التذوق الجمالي لعينية أبي ذؤيب الهذلي”  وقف فيها الباحث على المعاني اللفظية والدلالية لألفاظ القصيدة وأبرز الجانب الفني والجمالي.

لغة الشاعر

إن جمال هذه القصيدة لا يكون فقط فيما يبثه الشاعر من مشاعر وأحاسيس فياضة؛ فالألفاظ الرصينة وحسن السبك جعلت لأبي ذؤيب الهذلي مكانة تشهد له بالبراعة والتقدم على شعراء هذيل، وفي ذلك يشير ابن سلام الجمحي إلى أن أبا ذؤيب ممن يشهد لهم بالفحولة؛ فشعره رصينٌ لا وهن فيه ولا غميزة.

لقد عمد الشاعر في عينيته إلى استخدام الألفاظ الغريبة، مما يضطر القارئ الرجوع دائمًا إلى المعاجم اللغوية لاستشارتها بقصد فهم معانيها، وترى نورة الشملان أن الشاعر يستخدم فيها ما صعب وندر استعماله مثل قوله:

                                أَكَلَ الجَميمَ وطاوَعَتهُ سَمْجٌ      مثلُ القناةِ، وَأزعَلتهُ الأمرعُ

  بـــقـرار قيـعـان سـقـاهُ وابـلُ      واهٍ فأثجمَ   برهةً لا يقلعُ

          يضاف إلى ذلك أن عينية أبي ذؤيب لا تقتصر على غريب الألفاظ، بل تعدت ذلك إلى جودة المعنى، كقوله:

                                    والنفس راغبةٌ إذا رغبتها      وإذا تُردّ إلى قليل تقنعُ

كما أن الجاحظ(1) علَّق على قول أبي ذؤيب:” والدهر ليس بمعتب من يجزع”،  ” هذا أشعر وأحكم نصف بيت قالته العرب.” ولذلك وجدت هذه القصيدة طريقها عند اللغويين؛ فقد استشهد ابن قتيبة من قول أبي ذؤيب:

قصر الصبوح لها فشُرِّج لحمها        بالنَّيِّ، فهي تثوخ فيها الإصبع

حيث قال” ثاخ” و” ساخ” في الأرض سواء، أي دخل. وكذلك ما أورده القرشيّ  في المشهد الأخير_ مشهد الفارسين_ فقال: ” قضاهما” أي أحكمهما، هناك أمثلة كثيرة ليست مجالًا للدراسة. إذن فالقصيدة على درجة عالية في اختيار اللفظ، ومن الجودة في قوة السبك، ومن الرصانة في دقة التعبير.

الرثاء

الرثاء هو الفن الذي اشُتهر به أبو ذؤيب وعُرف من خلاله، فهو الغرض الأساسي الذي بُنيت عليه قصيدته العينية، ولم تنشأ إلا بقصد الرثاء؛ فالحالة النفسية التي مرَّ بها الشاعر وشدَّة الألم والتوجع، جعل عواطفه واحاسيسه المحرك الفاعل في إعداد هذه القصيدة.

والقصيدة زاخرة بالشعور الفياض، تجمع بين الندب والعزاء من نفسٍ هدمها الألم وفرَّقها الحزن، ومن ذلك ما نلتمهُ في أول بيتٍ من القصيدة:

             أَمِنَ المَنونِ ورَيبها تتوجَّعُ       والدَّهرُ ليسَ بِمُعتبٍ مَن يَجزعُ

فهذا البيت كافٍ لأن نشعر بشدة الألم والحزن الذي سيطر على نفسية الشاعر، وما كان من صدق المشاعر ظهرت في كل بيت من القصيدة.

كما أن فقدان الشاعر لأبنائه، جعله لا يقلع عن البكاء، فحياته أصبحت كلها حسرة ولوعة لفراقهم، وذلك يظهر في قوله:

               أودَى بنيَّ وأَعقَبُوني غُصَّةً      بَعدَ الرُّقادِ وعَبرةً لا تُقلِعُ

ويعتقد محمد منصور أن الشاعر جعل لرثاء أبنائه طبيعةً خاصة، وذلك أن موتهم جاء دفعة واحدة، وهم في سن يعول عليهم، وهذا ما لمسناه من أول بيت في القصيدة.

إذن فالخوف والجزع عند الشاعر منبعث من الشعور بالضياع وفقدان الشيء إلى الأبد، فحياته تحولت إلى سلسلة متصلة الحلقات بالآلام والحسرة، ولذلك يقول:

             فَغَبرتُ بَعدهم بعيشٍ ناصبٍ        وأخالُ أني لاحقٌ مُستتبعُ

وهذا يعني أن الشاعر أصبح عرضة للشامتين الذين دأبوا بالتشفي فيه، لأنه صار قليل الولد في مجتمع يرى كثرة الولد عصبة وقوة لهم ، ولكنه آثر الصبر فيما تبقى من العمر، ومثال ذلك ما قال:

                            وتجلدي للشامتين أريهم      أني لريب الدهر لا أتضعضعُ

وكما نعلم أن قصائد الرثاء تزخر بذكر صفات المرثي وأخلاقه، وتصف بطولاته، لكن الأمر يختلف عند أبي ذؤيب؛ فلقد صرف نظره عن هذا الأمر في عينيته وانشغل بوصف الألم والحزن الذي أصابه وحالة الضياع التي وصل لها بعد فقده لأبنائه، جاعلاً الرثاء وسيلة في التنفيس عن همومه وأوجاعه.

لقد بذل الشاعر قصارى جهده ليدفع الموت عن أولاده ولم يفلح، فكلما تذكرهم عاد إلى البكاء والنجيب الذي ظنَّ أنه أقلع عنه، وهذا يظهر لنا جلياً من خلال قوله:

            فالعين بعدهم كأن حداقها       سُملت بشوكٍ فهي عَورٌ تدمعُ

إن الدارس للقصيدة قد تبدو له أبياتها متنوعة الأغراض والصور، إلا أن الغرض الأساسي ظاهر لم يغب عنها؛ فالرثاء العامل الأساسي الذي من خلاله ظهرت مشاعر الشاعر وعواطفه وهاجت أحاسيسه، مما أدى إلى تفوقه وبراعته.

الرمزية في شخصية المرأة العاذلة

كعادة الشعراء الجاهليين، لجأ أبو ذؤيب في قصيدته إلى الحوار مع المرأة العاذلة، فهي الرمز الأنثوي الذي بث من خلاله آلامه وأحزانه.

وبالنظر إلى عينية أبي ذؤيب نجد أن الشاعر نقل صورة صراعه الداخلي لفقد أبنائه، إلى صورة صراع خارجي بينه وبين (أميمة)، فهي بهذا تمثل فتاته الحركية التي تتدخل فنياً لتضفي على مناخ القصيدة الحركة والحيوية، وفي هذه القصيدة، فإن أميمة كما يرى محمد علي أبو حمدة، تعادل سعاد عند كعب بن زهير في قوله:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول                            متيم إثرها لم يجز مكبول

ولقد عمد الشاعر إلى الحوار مع أميمة للتنفيس عما أصابه من ألمٍ وتوجع لفراق أبنائه:

     قالت أميمة: ما لجسمك شاحباً            منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع

فالشاعر يحاول الهروب من حالته النفسية بسؤال أميمة والتي ترى أن المال يوفر له القدرة والقوة والأمان مقابل الموت.

ومن هنا نستطيع الفهم أن الشاعر عمد كما يرى إياد إبراهيم إلى اسقاط همومه على رمز المرأة العاذلة الهذلية التي مثلت صوتاً آخر جرده الشاعر من نفسه لأن شخصيته غير موجودة وهو بذلك يكشف عن صراعٍ نفسي حاد، لجأ إلى رمز المرأة ليأخذ الحدث أبعاده الموضوعية المهيأة في وعي الشاعر.

التصوير الفني باستخدام عنصريّ الرمز والقصة

إن للصورة الفنية مكانة كبيرة في القصيدة، فالاهتمام بتفاصيلها وجزئياتها، المتلقي متأثراً بها ومتفاعلاً معها، وما هي إلا أنماط بلاغية وتراكيب لغوية مشتركة مع بعضها البعض.

ونجد عينية أبي ذؤيب زاخرة بالصورة الفنية، خاصة حين يصور الكلاب وهي تنهش بالثور الذي يناطحها، يقول أبو ذؤيب:

وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ      شَبَبٌ أَفَزَّتهُ الكِلابُ مُرَوَّعُ

فَاِهتاجَ مِن فَزَعٍ وَسَدَّ فُروجَهُ    غُبرٌ ضَوارٍ وافِيانِ وَأَجدَعُ

يَنهَشنَهُ وَيَذُبُّهُنَّ وَيَحتَمي       عَبلُ الشَوى بِالطُرَّتَينِ مُوَلَّعُ

فَنَحا لَها بِمُذَلَّقَينِ كَأَنَّما       بِهِما مِنَ النَضحِ المُجَدَّحِ أَيدَعُ

فَكَأَنَّ سَفّودَينِ لَمّا يُقتَرا       عَجِلا لَهُ بِشَواءِ شَربٍ يُنزَعُ

فَصَرَعنَهُ تَحتَ الغُبارِ وَجَنبُهُ    مُتَتَرِّبٌ وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ

حَتّى إِذا اِرتَدَّت وَأَقصَدَ عُصبَةً   مِنها وَقامَ شَريدُها يَتَضَرَّعُ

لقد أبدع الهذليون في الأسلوب القصصي وخاصة أبو ذؤيب، فوجدت بذلك طريقها في قصيدة الرثاء، من خلال نقله ما يتردد في أعماقه من المشاعر والأحاسيس إلى صورة معبرة وموحية بصدق العاطفة.ومن هنا نلاحظ أن الشاعر رسم ثلاث لوحات فنية ظهرت في قصيدته ، ويوضح محمد منصور أن شخصيات لوحاته الثلاث هي البيئة المحلية التي يعيش فيها الناس، وهي لوحة حمار الوحش، ولوحة الثور والكلاب الذي تصارعه، ولوحة الفارسين.

اللوحة الأولى: لوحة حمار الوحش.

يرمز الشاعر بالحيوان(حمار الوحش) – حين يصور صراعه مع الموت- إلى صراع أبنائه معه، ويصور لنا المشهد بأسلوب قصصي بارع مثير، وتبين نورة الشملان أن الشاعر استطاع أن يصور حمار الوحش تصويراً دقيقاً، يجعلنا نعايش الحدث لحظة بلحظة، فحمار الوحش كان يعيش مع أتنه الأربع في روضة خصبة تتوافر فيها سبل السعادة من الكلأ والماء واللعب، ومع مرور الوقت تجف مياه هذه الروضة، فيضطر حمار الوحش أن يقود بقوته وصلابته أتنه إلى مكانٍ عبر الصحراء، تتوافر فيه الحياة السابقة وكان له ذلك، فعادت السعادة للسرب من جديد، لكن هذه السعادة لم تدم طويلاً، فالصائد أقبل مع كلابه يتربص بالسرب، ثم جعل سهامه تعمل فيه بكل اتجاه، فخرّ بعضها صريعاً، وأفلت البعض مدرّجاً بدمائه، لكن الكلاب لم تتركه فأخذت تصارعه، فكانت الضربة القاضية، ومات حمار الوحش بعد أن ظنَّ أن سعادته ستدوم، لكن المصير المحتوم كان له بالمرصاد ، وبهذا يقول أبو ذؤيب:

وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِه       جَونُ السَراةِ لَهُ جَدائِدُ أَربَعُ

صَخِبُ الشَوارِبِ لا يَزالُ كَأَنَّهُ      عَبدٌ لِآلِ أَبي رَبيعَةَ مُسبَعُ

أَكَلَ الجَميمَ وَطاوَعَتهُ سَمحَجٌ        مِثلُ القَناةِ وَأَزعَلَتهُ الأَمرُعُ

بِقَرارِ قيعانٍ سَقاها وابِلٌ                واهٍ فَأَثجَمَ بُرهَةً لا يُقلِعُ

فَلَبِثنَ حيناً يَعتَلِجنَ بِرَوضَةٍ        فَيَجِدُّ حيناً في العِلاجِ وَيَشمَعُ

                               فَشَرِبنَ ثُمَّ سَمِعنَ حِسّاً دونَهُ    شَرَفُ الحِجابِ وَرَيبَ قَرعٍ يُقرَع

إلى أن يقول:

فَأَبَدَّهُنَّ حُتوفَهُنَّ فَهارِبٌ              بِذَمائِهِ أَو بارِكٌ مُتَجَعجِعُ

يَعثُرنَ في حَدِّ الظُباتِ كَأَنَّما      كُسِيَت بُرودَ بَني يَزيدَ الأَذرُعُ

اللوحة الثانية: لوحة الثور تصارعه الكلاب.

ما زلنا نرى أن الأسلوب القصصي هو المسيطر, حين يتناول الشاعر قصة حيوان آخر هو الثور الذي تطارده الكلاب لتصرعه؛ فالثور في رعب دائم مع هذه الكلاب، لكنه يشعر بشيء من الأمان إذا أقبل الليل وستره بظلامه، حتى أن يأتي الصباح ويشرق بنوره فيعاود الثور الخوف والرعب مرة أخرى، وكان يجد في شجر الأرطي ملاذًا آمنًا للاختباء تحتها حتى إذا جاء الليل عاد وشعر بالأمان والهدوء مع أنه أحيانًا كان يضطر للوقوف تحت الشمس؛ ليجفف جسده الذي بلله المطر والندى، فيقف خائفًا يلتفت يمنة ويسرة، يترقب من حوله أية حركة أو أي صوت يثير خوفه، وما كان مُخطئًا حين التفت فوجد كلاب الصيد حوله، فركض هاربًا منها، لكن الكلاب لم تسمح له بذلك، فتصارع الخصمان صراعًا شديدًا مريرًا، حاول فيه الثور الدفاع عن نفسه مستخدمًا قرنيه الحادّين اللذين أنفذهما في بطون الكلاب وكاد أن ينتصر عليها فينجو بنفسه لولا تدخل الصائد الذي رماه بسهمه فأرداه سريعًا.

لقد انتهى المشهد هنا ويرى إياد إبراهيم أن الصياد في هذه اللحظة يتدخل مع الكلاب ليجهز على الحيوان, وهذه سمة تغلب في قصيدة الرثاء لتأخذ بعدًا رمزيًّا في الإرادة والمواجهة.

ويبدو أن صراع الثور مع الكلاب عادة حرص الشعراء عليها في مراثيهم؛ فالجاحظ يرى أن الشعراء اعتادوا في مراثيهم ومواعظهم أن تكون الكلاب هي التي تقتل بقر الوحش.

وهنا نلاحظ أن الشاعر أراد أن يصور معركة الثور في الحياة على أنها معركته مع الهموم والأحزان، وها هو يقول:

وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ       شَبَبٌ أَفَزَّتهُ الكِلابُ مُرَوَّعُ
شَعَفَ الكِلابُ الضارِياتُ فُؤادَهُ     فَإِذا يَرى الصُبحَ المُصَدَّقَ يَفزَعُ
وَيَعوذُ بِالأَرطى إِذا ما شَفَّهُ          قَطرٌ وَراحَتهُ بَلِيلٌ زَعزَعُ
يَرمي بِعَينَيهِ الغُيوبَ وَطَرفُهُ   مُغضٍ يُصَدِّقُ طَرفُهُ ما يَسمعُ
فَغَدا يُشَرِّقُ مَتنَهُ فَبَدا لَهُ          أَولى سَوابِقَها قَريباً توزَعُ
إلى أن يقول:

فَصَرَعنَهُ تَحتَ الغُبارِ وَجَنبُهُ           مُتَتَرِّبٌ وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ

حَتّى إِذا اِرتَدَّت وَأَقصَدَ عُصبَةً             مِنها وَقامَ شَريدُها يَتَضَرَّعُ

فَبَدا لَهُ رَبُّ الكِلابِ بِكَفِّهِ           بيضٌ رِهافٌ ريشُهُنَّ مُقَزَّعُ

فَرَمى لِيُنقِذَ فَرَّها فَهَوى لَهُ              سَهمٌ فَأَنفَذَ طُرَّتَيهِ المِنزَعُ

فَكَبا كَما يَكبو فِنيقٌ تارِزٌ           بِالخُبتِ إِلّا أَنَّهُ هُوَ أَبرَع

لقد جسَّدت القصة الشعرية – عند أبي ذؤيب – في الحيوان صورة الخلود لما يتمتع به من قوة وصلابة، وعلى الرغم من ذلك فإن مصيره الموت والهلاك.

اللوحة الثالثة: لوحة الفارسين وصراعهما

وفي هذا المشهد نجد أن الشاعر صوَّر صورة الفارسين في ساحة الوغى، وهو يصارع فارسا آخر لا يقلُّ عنه قوة وبطشًا، كما يصف سيوفهما ولحظات اللقاء بينهما، وينتهي إلى النهاية التي اختارها ويريد الوصول إليها وهي الموت للفارسين كما سبق في مصير حمار الوحش.

نرى هنا صورة أخرى تميزت بالدقة في الوصف وذكر التفاصيل التي تصوِّر الموقف، فكأن أبا ذؤيب مصوِّر بارع، جاءت صورته متكاملة في الرسم؛ فالفارس مُتقلِّدًا درعه، مستعدًّا للقاء، وقد ركب فرسًا تعدو به إلى ساحة القتال، فيقابل فارسًا آخر لا يقلُّ عنه بطشًا ولا قوة ولا سلاحًا واستعدادًا للحرب. وتمضي لحظات اللقاء الرهيبة والصراع يشتدُّ. حتى ينتهي بمشهد موتهما معاً بعد أن كانت حياتهما مميزة بالمجد والقوة0

مما سبق يبدو لنا أن الشاعر يحاول الوصول إلى حتمية الموت، فجعل الأشياء كلها تموت من حوله كما مات أبناؤه، وهذا ما تشير إليه نورة الشملان

وعند الإمعان في القصيدة، نجد أن الصور فيها منتزعة من الحياة الاجتماعية التي تتعلق بالعادات والتقاليد فتظهر الروح الجاهلية من تعليق للتمائم كما في قوله:

                            وَكَأَنَّهُنَّ رَبابَةٌ وَكَأَنَّهُ                  يَسَرٌ يُفيضُ عَلى القِداحِ وَيَصدَعُ

ومن هذه الخصائص ترى نورة الشملان، أحكام بناء الصورة في القصيدة بتسجيل جزيئاتها، مما أخرجها إخراجًا محكمًا دقيقًا0

الحكمة والنظر في العواقب

يذكر السكري ، أن معظم قصائد الهذليين التي وصلت إلينا، تكاد مقاطع الحكمة فيها تكون على غرض الرثاء، ذلك أنّ الرثاء ينطوي على عواطف الشاعر وأحاسيسه، والتي تظهر بفقد المرثي والحكمة – هنا- كما يقول أحمد زكي :

” ليست نوعًا من الفلسفة التي تبحث في حقائق الأشياء، وتنظر فيها وراء الطبيعة والإلهيات، بل هي درجة من الوعي الفكري الذي يجمع معاني عامة تأتي دائمًا عن طريق تجربة أو نظرة في الحياة”.

وإذا أردنا تطبيق ذلك على عينية أبي ذؤيب، نجد أنفسنا أمام قصيدة تمتلئ جوانبها بالحكمة وترجح العقل، بعيدة عن الحزن واليأس والتشاؤم، إلا ما كان في إطار الحزن المتوقَّع في هذه الظروف – وهي فقده لأبنائه – وهو الملائم لطبيعة النفس البشرية.

إن الشاعر استطاع بحكمته الإفادة من حصيلة خبراته المعرفية ومشاهداته، وهذا ما جعله يتغلب على محنته ومصيبته، حتى وإن فرَّقت المنيِّة بينه وبين أسرته التي جمع شملها وئام الحب وعيشة راضية.

                      كَم مِن جَميعِ الشَملِ مُلتَئِمُ الهَوى           باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا

وإذا كان الشاعر قد استعرض في الأبيات التسعة عشر الأولى حالته فبثَّ همومه وأحزانه، مُستجمعًا شتات نفسه وقواه، فإنه كما يشير محمد منصور  كان منقلبًا بين مرارة الأسى ولواعج الألم من جهة, وبين رجاحة العقل وبواعث الحكمة من جهة أخرى، فتنازعت حاله بين العاطفة الفطرية التلقائية وبين التجارب الحياتية المكتسبة.

إن مزج الحدث بالفطرة السليمة وفق المثل العليا السائدة، جعلت حكم الهذليين – ومن بينهم أبو ذؤيب – تصرفات عقلية تعرض لهم وهم يؤدُّون عباراتهم فيسقونها شعرًافهي أشبه بالأمثال والنصائح.

وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها                        أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ

وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها                          فَإِذا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ تَقنَعُ

إن النفس البشرية جُبلت على الحسرة على الأبناء والتألم لفقدهم، وهي ترغب بذلك استجابة لفطرتها، وما فُطرت عليه من حبهم والميل لهم.

مما سبق نجد أن الشاعر مال في بقية قصيدته إلى تغلب العقل على لواعج عاطفته، ومثل ذلك في اللوحات الثلاثة، والتي يُقرُّ في بداية كل منها ببقاء الدهر وفناء الشخصيات الأساسية؛ حمار الوحش، والثور، والفارس، ومهما أوتيت من القوة وأسباب التمكين والبقاء

الخاتمة

لقد سعت هذه الدراسة لإلقاء الضوء على العناصر الأساسية التي استخدمها الشاعر في بناء قصيدته؛ فكانت نموذجًا رائعًا عبَّر فيه الشاعر عن آلامه وحزنه، بعد فقده لأبنائه الذين ماتوا دفعة واحدة.

ومما لا شك فيه أن الشاعر أحاد وأبدع في استخدام هذه العناصر من خلال: اللغة الرصينة التي تميزت بالألفاظ النادرة والتي أدت إلى جودة السبك ودقة التعبير, فكان للشاعر الحظ الكبير في الفحولة والتفوق على شعراء عصره ومن خلال: الغرض الأساسي الذي كان الدافع الأول لإنشاء هذه القصيدة وهو رثاء أبنائه، فكان ما كان به من إفراغ الشحنة العاطفية والتنفيس عما أصابه من صراع عاطفي تجاههم،وكذلك من خلال المرأة العاذلة كرمز أنثوي وجد فيه الشاعر الحاجة لتحويل صراعه الداخلي إلى صراع خارجي ليسانده في بث همومه وأحزانه،  وأيضًا من خلال: التصوير الفني باستخدام الأسلوب القصصي والرمز لرسم صورة المعاناة والصراع مع المصير المحتوم وهو الموت فجاءت لوحاته الثلاثة في شخصياته: حمار الوحش والثور والفارسين للتعبير الصادق في تصوير المعاناة الحقيقية للشاعر. أخيرًا من خلال: مجموعة الحِكم التي جاءت في الغالب على صورة أمثال ونصائح فإنْ دلَّت فإنها لا تدل إلا على التعقل في المواقف الصعبة.

من هنا نتوصل إلى أن شخصية أبي ذؤي كانت قمة في الصبر والتجلُّد وتعويد النفس على تحمل الألم في أصعب الظروف التي مرَّ بها وهذا كان دافعًا قويًّا لأنْ يبدع ويجيد في القصيدة، وهذا ما لمسناه في معظمها؛ صدق العاطفة وعدم التكلُّف في الشعر يرتقي بالقصيدة لأعلى درجاتها.

المصادر والمراجع

  1. إبراهيم، إياد، البناء الفني في شعر الهذليين، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2000.
  2. إبراهيم، حافظ، الديوان، ط3، ضبط وشرح أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري، القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب،1987.
  3. الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر (255هـ)، الحيوان، ط2، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1966.
  4. الجمحي، محمد بن سلّام (232هـ)، طبقات فحول الشعراء، شرح محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، د0ت.
  5. أبو حمدة، محمد علي، في التذوق الجمالي لعينية أبي ذؤيب الهذلي، دراسة نقدية إبداعية، عمان، دار عمّار، 1995.
  6. السكري، أبو سعيد عبدالله محمد بن سعيد (275هـ)، شرح أشعار الهذليين، تحيق خالد عبد الغني محفوظ، بيروت: دار الكتب العلمية،2006.
  7. الشملان، نورة، أبو ذؤيب الهذلي حياته وشعره، الرياض: شركة الطباعة العربية السعودية،1980.
  8. زكي، أحمد كمال، شعر الهذليين في العصرين الجاهلي والإسلامي، القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر،1969.
  9. ابن قتيبة، أبو محمد بن مسلم (276هـ)، أدب المتاب، ط4 تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، القاهرة: المكتبة التجارية، 1936.
  10. القرشي، أبو زيد محمد بن أبي الخطاب (170هـ)، جمهرة أشعار العرب، تحقيق علي محمد البجاوي، القاهرة: دار نهضة مصر للطبع والنشر، دت.
  11. منصور، محمد، أبو ذؤيب الهذلي حياته وشعره دراسة نقدية وتحليلية فنية، القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر، 2003.
  12. ابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم (711هـ)، لسان العرب، تحقيق عبدالله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، القاهرة: دار المعارف، 1